«السفير» تنشر «أداة العمل» لسينودس الشرق من مصر الى إيران (1)
إذا اختفى المسيحيون فسيخسر الشرق الأوسط التعددية التي ميّزته دائماً
غراسيا بيطار
في البدء كانت الكلمة. وللكلمة منابر عدة أقدمها كنائس الشرق الأوسط. ومن على منبر لبنان شعّ «رجاء جديد» في 26 تشرين الثاني عام 1995 في «سينودس خاص من أجل
لبنان». ماذا تحقق منه؟ وهل كان مسيحيو لبنان على قدر المسؤولية فساروا في ما أوصاهم به «الإرشاد الرسولي»؟ البعض يجزم بأن المسيحيين أضاعوا تلك الفرصة النادرة
والبعض الآخر يفضلون التركيز على الجزء الملآن من الكوب ليذهب آخرون ممن لا يتمتعون بهواية «جلد الذات» الى الاعتقاد أن سنوات خمساً لا تكفي للحكم بعد.
هذه هي حال لبنان «قلب الشرق». وأما الشرق فعلى موعد مع «تحد رجائي « خاص به في «الجمعية الخاصة لسينودس أساقفة الشرق الأوسط» بين 10 و24 تشرين الأول المقبل
في حاضرة الفاتيكان. إنها فرصة جديدة وجدية أمام «هذا القطيع الصغير» ـ على ما يسمّي البطريرك غريغوريوس الثالث لحّام، روحانيا، الأقلية المسيحية في الشرق ـ
كي يتسلح إيمانيا في مواجهتها تحديات تبدأ بالهجرة ولا تنتهي بالتهميش واللااستقرار والصراعات فضلا عن الاندماج في مجتمعات مختلفة عنها في الدين والمعتقدات.
الحاجة ملحة إذاً لـ«إرشاد سنودسي» يحمل عنوان «الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط: شركة وشهادة» يعطي مقومات الاستمرار «ويبقي على شعلة الرسالة مضاءة».
البابا بنديكتوس السادس عشر هو صاحب الدعوة الهادفة الى «التعرف الى الكنائس الكاثوليكية في الشرق الأوسط والكنائس المسيحية عموما وتعميق الإيمان وتنمية الحضور
والدور المسيحي في الشرق». وبمشاركة أمانة السر في الفاتيكان ومجلس البطاركة الشرقيين الكاثوليك تمت صياغة وثيقة دعيت «ورقة عمل» ستكون موضع مناقشة آباء السينودس
في تشرين الأول الذين يمثلون الكنائس الكاثوليكية التالية: الروم الملكيين الكاثوليك، الموارنة، السريان الكاثوليك، الكلدان، الأٌقباط الكاثوليك واللاتين.
وتنشر «السفير»، اعتبارا، من اليوم، أبرز ما جاء في مضمون وثيقة «أداة العمل» التي تتألف من مقدمة عن هدف السينودس وثلاثة فصول رئيسة: الأول بعنوان «الكنيسة
الكاثوليكية في الشرق الأوسط»، وهو الفصل الذي يرتدي الطابع الروحي السياسي بامتياز، إذ تندرج تحته سلسلة عناوين تمثل الهواجس والتحديات المسيحية في الشرق من
الدور والوجود وتناقص العدد الى الهجرة وتطور الإسلام المعاصر الى الصراعات السياسية في المنطقة.
الفصل الثاني بعنوان «الشركة الكنسية» والثالث «الشهادة المسيحية» وفيه طرق التعليم المسيحي وليتورجيا مجددة وقسم خاص بالعلاقات مع اليهودية و«الرغبة في الحوار
مع اليهودية والصعوبات التي تعترضه»، وآخر بالعلاقات مع المسلمين «المسلمون والمسيحيون معا على الطريق المشترك». لتختتم «أداة العمل» بفصل أخير في خاتمة استفهامية
:«ما هو مستقبل الشرق الأوسط وأي مستقبل لمسيحييه؟ لا تخف أيها القطيع الصغير».
يفتتح «أداة العمل» تقديم من توقيع الأمين العام لسينودس الأساقفة ورئيس أساقفة شيبالي الفخري نيكولا إيتيروفيتش، يطغى عليه الطابع الروحي باستشهادات من الإنجيل
المقدس وإعادة نجاح أعمال السينودس «لصلوات مؤمني الشرق الأوسط العديدين والكنيسة الكاثوليكية كلها وشفاعة الشهود الشهداء من أبناء الأراضي المقدسة». ويوقع
التقديم بتاريخ 6 حزيران 2010. بعد مقدمة صغيرة تتحدث عن «التأييد الكبير الذي حظيت به الدعوة الى السينودس من الكنيسة كلها وخصوصا بلدان الشرق الأوسط الممتدة
من مصر الى إيران»، بالإضافة الى إشارة الى «اهتمام الحبر الأعظم الخاص بمؤمني الأراضي المقدسة التي قدسها يسوع بحياته»، يدرج في عنوان فرعي «هدف السينودس».
للسينودس هدف مزدوج :«تثبيت وتقوية المؤمنين في هويتهم المسيحية بواسطة كلمة الله والأسرار وإحياء الشركة الكنسية بين الكنائس الكاثوليكية ذات الحكم الذاتي
حتى تستطيع أن تقدم شهادة حياة مسيحية حقيقية فرحة وجذابة».
«... من المهم بالنسبة الى المسيحيين أن يعرفوا جيدا اليهود والمسلمين حتى يستطيعوا التعاون معهم في المجال الديني والاجتماعي والثقافي لخير المجتمع كله...
ومن البديهي أنه يجب تقوية روابط الشركة أيضا مع بقية الكنائس والجماعات الكنسية». ويتابع النص المتعلق بالأهداف: «الآباء مدعوون ليس فقط لتقديم أحوال بلدانهم
فحسب وتحليل جوانبها الإيجابية والسلبية وإنما بالأكثر لتزويد المسيحيين بأسباب وجودهم في مجتمعهم ذي الغالبية المسلمة سواء أكان عربيا أم تركيا أم إيرانيا
أم عبريا في دولة إسرائيل». وفي سياق المقدمة، يؤكد الآباء أن «الكتب المقدسة ستقود تفكيرنا وكلمات الإنجيل ليست موجهة الى المسيحيين وحدهم وإنما تتضمن حقائق
يمكن لكل الناس ذوي الإرادة الصالحة الباحثين عن الله أن يعرفوها».
تختار الوثيقة أن «تضرب الحديد وهو حام» فتضع إصبعها في الفصل الأول على جرح «وضع المسيحيين في الشرق الأوسط». وفي لمحة تاريخية موجزة تركيزعلى تلك «الوحدة
في التعدد» وما لتاريخ المسيحية في الشرق الأوسط من أهمية «ليس فقط بالنسبة الى المسيحيين الذين يعيشون فيه وإنما أيضا بالنسبة الى مسيحيي العالم كله»، وأسف
لكون «هذا التاريخ غير معروف كثيرا». بالإضافة الى الإشارة الى أن الانقسامات الكنسية سواء بعد الانشقاق الكبير اعتبارا من القرن الحادي عشر أو بين الشرق والغرب،
جميعها «تقاليد هي في الوقت ذاته غنى للكنيسة جمعاء». وفي الأصل الرسولي إٌقرار في النص بأن «الحماسة الرسولية قد تراخت غالبا وأن شعلة الروح تبدو وقد خبت».
وفي الفصل الأول جزء بعنوان «دور المسيحيين في المجتمع بالرغم من قلة عددهم». يشير النص الى أن «المجتمعات العربية والتركية والإيرانية تتسم رغم اختلافاتها
بخصائص مشتركة في التقاليد ربما والتربية». لكنه ينبه من أن الدين «كعنصر للهوية ليس عاملا فقط للتمييز بل يمكن أن يكون أيضا سبب انقسام»، ومن هنا يذكر «ان
المسيحيين هم مواطنون أصليون وينتمون حتما الى النسيج الاجتماعي والى الهوية ذاتها لبلادهم الخاصة وفي اختفائهم خسارة للتعددية التي ميّزت دائما بلاد الشرق
الأوسط». ويتابع: «غياب الصوت المسيحي سيسبب إفقار المجتمعات الشرق أوسطية».
وفي الفقرة 25 من هذا الفصل إشارة الى أن «إمكانيات الكنيسة في الإسهام في التنمية الإجتماعية الحضارية تختلف بين بلدان الشرق الأوسط على عوامل مختلفة مثل نوع
الحضور المسيحي ونسبة الكاثوليك في البلد وبالطبع طبيعة النظام السياسي والنظام القضائي والمجتمع والحضارة بصفة عامة».
من هنا، توجه الوثيقة دعوة مبدئية: «مبدئيا، يجب على الكاثوليك أن يعملوا على تقديم أفضل مساهمة في تعميق مفهوم الدولة «العلمانية الإيجابية» بالاشتراك مع بقية
المواطنين المسيحيين وأيضا مع المسلمين المفكرين والمصلحين فيساعدون بذلك على تخفيف الصبغة الثيوقراطية (الحكم باسم الله) لبعض الحكومات، ما يسمح بمزيد من المساواة
بين المواطنين من مختلف الديانات ويعمل على تنمية ديموقراطية سليمة علمانية إيجابية تعترف اعترافا كاملا بدور الدين حتى على مستوى الحياة العامة مع كامل الاحترام
للتمييز بين كل من النظام الديني والنظام الزمني».
ويشدد النص على أن «الشخص لا يمكنه تحقيق ذاته تحقيقا كاملا إذا تجاهل طبيعته الاجتماعية أي أن يكون «مع» و«من أجل» الآخرين، ليخلص في الفقرة 28 منه الى القول:
«حتى إذا كان المسيحيون أقلية ضعيفة في جميع بلاد الشرق الأوسط تقريبا إلا أنهم في كل مكان يعملون بحيوية، وديناميكيون ومشرقون حيث يكون ذلك ممكنا اجتماعيا
وسياسيا». ليتابع الفصل الأول مع التحديات التي تواجه المسيحيين في الشرق الأوسط وإضاءات عليها في جزء ثان غدا.
غراسيا بيطار
السفير
No comments:
Post a Comment