Saturday, August 14, 2010

فضة «دولة الرئيس» وذهبه

جهاد بزي

غضب «دولة الرئيس» إلياس المر فخرج عن طوره. أو أنه أراد أن يبدو بصورة الوزير الرصين الهادئ الذي لم يعد يحتمل فغضب فخرج عن طوره.
غير أن «دولته»، بالغ في اظهار أو ادعاء الغضب، فوقع كعادته في مجموعة من الأخطاء أعادت إلى أذهان اللبنانيين صورته التاريخية «البرّاقة» في وزارة الداخلية
حيث كان من النادر أن يمر تصريح له من دون الغرق في نفق متاهة كلامية ما إن يدخلها حتى لا يعود قادرا على الخروج منها. ولعل مؤتمره الصحافي أمس الأول جعلنا
ننتبه إلى أن بعض الأقوال المأثورة لا تصدأ، وفي مقدمتها ذاك الذي عن الكلام الفضة والسكوت الذهب.
غير أن واقعة تحدثه بعد طول صمت وقعت. ولم يكن الزميل في «الأخبار» حسن عليق الضحية الوحيدة.
ثمة لغة غير مسبوقة في مخاطبة السياسيين للاعلام اللبناني شهرها المر متسلحاً بأنه يدافع عن الجيش. لغة وعيد وتهديد قرر فيها وزير الدفاع المقارنة بين «أصغر
رتبة في الجيش التي هي أشرف (!) من هذه المقالات التي تكتب لتشوه صورة المؤسسة العسكرية». سمح لنفسه بوضع الاعلامي في مواجهة غير مفهومة مع الجندي، مفضلاً الثاني
على الاول. ثم أطلق حكماً عاماً على إعلاميين (كم واحداً مثلاً؟) بأنهم يريدون تشويه صورة المؤسسة العسكرية وحتى تخوينها.
خطابه ضد الاعلام راح ينحو منحى تصاعدياً حتى وصل إلى المعادلة الغريبة: «إذا كان هناك خرقٌ بضابط أو اثنين أو ثلاثة (صاروا ستة بالمناسبة)، في المؤسسة العسكرية،
فلماذا لا يكون هناك خرق في جريدة أو تلفزيون؟ وإذا ضابط خرق فهل الصحافي لا يخرق؟».
ليس بالضرورة أن يُخرق صحافي ما دام ضابط قد خُرق، والعكس صحيح. هذه إجابة على سؤاله. غير أن المسألة ليست هنا، بل في شبهة العمالة التي أشار بها «دولته» الى
الصحافيين والتي لا يمكن كشفها عبر القبض، مثلا، على جهاز إرسال أو رقم هاتف او على كشف تقارير للعدو أو حتى بالاعتراف. الشبهة تطال الصحافي بناء على ما يكتبه
وما يضمر وراء هذه الكتابة، وما يريده من سوء للوطن من خلال المعلومات التي ينشرها، ومن هو العميل الذي يتلطى خلف الكاتب.
لا أحد يدري ما اذا كان دولته يعرف أنه مارس ترهيباً للإعلام في لبنان، لم يعد يمارس حتى في الدول القمعية. ترهيب لا يشفع له. إلا أن دولته، حتى وهو على رأس
وزارة على هذا القدر من الخطورة والأهمية، كالدفاع، ما إن يبدأ الكلام حتى يغرق في نفق من الأخطاء في الوقت نفسه.
الصمت لا يعلم الحكمة دائماً. وهو خرج من طول صمته على خفة لا تليق بمنصبيه. لم يكن على الوزير، قبل أن يعلن عن مؤتمره الصحافي إلا مراجعة أي من بيانات الجيش
اللبناني، لوجد حينها كلاما متزنا وواضحا ودقيقا ومتحفظا وقانونيا وما إلى هنالك مما يفرضه الاختصار البليغ الذي لا يجيده وزير تصدى للدفاع عن جيش وقد فاته
أن الجيش، أي جيش، ليس بحاجة إلى من يقف أمامه ليدافع عنه.
وليس للإعلام اللبناني وقد مرت عليه عاصفة الوزير، إلا أن يتمنى لدولته ذهباً أكثر وفضة أقل.
جهاد بزي
السفير

No comments:

Post a Comment