Saturday, January 15, 2011

جنبلاط الذي لا بدّ منه.. ولا مفرّ منه
جهاد بزي
النحيل الذي ينحني ظهره، كما معظم طويلي القامة، يبدو، في الصورة المحفوظة عنه، ساهياً، يحمل إحدى روايات خوسيه ساراماغو، ليقدمها هدية إلى سياسي آخر كان خاصمه
في زمن غربته عن عروبته وعن حكمته، وربما، أيضاً، عن حسه الساخر الذي يكاد يختصر، دون غيره من الصفات، أمير السياسة اللبنانية.. وغريبها.
وليد جنبلاط في زمن تمترس الطرفين المتنازعين، يصبح الملحَ الذي لا يفسد للمشهد السياسي اللبــناني. يرتدي جبّة المصطفى، نبي جبران خليل جــبران، ويغدق الحكمة
تلو الحكمة على ابناء أورفليس. يغــرق في حنين مفاجئ إلى سبيعينيات الاشتراكية و«الحركة الوطنية» وحلم «الثورة الفرنسية». ويأسف إذ يتــذكر أن اليمين اللبناني
ما زال موجوداً، فيقرّعه، ولا يجد هذا ما يرد به على من لا يجرؤ أحد على إغضابه.. أو استفزازه لحسابات بحت طائفية... أو ربما طمعاً بترك نافذة مفتوحة لعله «يتشقلب»
مجدداً.
ها هو وليد جنبلاط يمشي من مصالحة إلى مصالحة. ينضح كفاه بزيت الاعترافات، وقد عاد من «الغربة المقيتة» التي ليتها لم تكن، ولو أنها ربما أدت غرضها في مرحلة
الرهان على خيارات دولية، لم تأت بالربيع السياسي الموعود الى سوريا ولا الى ايران وظلت أساطيل الأسطول السادس تراقب الأواني المتدحرجة في بيروت، من شبكة الاتصالات
الى وفيق شقير الى الإمساك بالعاصمة خلال أقل من ثلاث ساعات!
فضيلته الأولى التي لا يملك سياسي لبناني مثلها، أنه لا يخضع للمساءلة أو المحاسبة، وان حصل ذلك، نادراً، فيكون هو الأقدر والأعلم بمصلحة الطائفة، وفضيلته الثانية،
انه يقول إنه يتراجع عن خطأ.. ولو متأخراً، وعلى كتفيه ملاكاه اللذان يحرسهما ويحرسانه: الطائفة.. وقصر المختارة.
من اجلهما، أي الطائفة والقصر، يلوذ «الزعيم» بالأداء الملحمي. يمضي في طرق الجبل التي تعجز عن أن تكون وعرة تحته، يجوب القرى، ويصافح ناسها، ويحكي كمن يحكي
للمرة الأخيرة. كمن يوصي. كمن يدعّم بيديه السور الذي يريده عالياً حول «بني معروف». السور الذي لا يجعله يفرّط بالدور التاريخي مخافة أن يستعيره أحد أو أن
يستأجره. الجسر بين العروبة ولبنان. بين الشيعة والسنة. بين المسيحي وباقي المسلمين. بين العرب والمسلمين. بين العلاقات الدولية والحساسيات المحلية.
لماذا تريدون حشر وليد جنبلاط وحشر الاقلية الدرزية معه؟ الأقلية التي لم تعلم أنها أقلية الا بعد السابع من ايار. السياسة والأمن والطوائف يعيدون التذكير بلعبة
الديموغرافيا القاتلة. تنزل الطائفة من علياء الموقع التاريخي والجغرافي، القومي والكياني، الى المصالحات المحلية. مصالحات القرى والبلدات والأحياء والشيوخ
والطلاب.. من دون أن تردم هوة ليست بالبسيطة في نفوس الموحدين.
«لعبة الأمم»، يردد، كلما أنهى عداوة، أو غسل قرية من بقايا ما علق عليها إبان «مغامراته غير المحسوبة». «لعبة الأمم» يخيف بها هذا القارئ الذكي للتاريخ أبناء
البيت الجبلي العالي، المعرّض للرياح من أربع جهاته. يزيد على هذا القلق الأبدي عند الأقلية الدرزية قلقاً مقيماً عند الموحدين مذ أسقطت رصاصات الغدر «المعلم
الكبير» ـ أيقونتهم التاريخية.
القلق على الذات تراجع مع ابن المعلم، «البطل التاريخي»، قائد «حرب الجبل» الشهيرة. تعلقوا بالأمين الوحيد والأوحد على مصلحتهم العليا، وصاحب القرار فيها، بتفويض
منهم، نابع عن إيمان وقناعة ذاهبين عميقاً في خصوصية هذه الطائفة اجتماعياً وتاريخياً وسياسياً... و«انتصارات» البطل الجديد.
وهو، الواثق من سطوة ابوّته عليهم، لا يملك، إذا ما اعترضوا على تصرفه، إلا الهمس بأنه مصاب بمرض الضجر العضال، الذي قد يجعله يوماً يترك الجبل بمن حمل، ويتغرب
إلى جوار بحيرة اوروبية باردة، برفقة أصدقاء متحولين ومتغيرين، آخرهم وليس أولهم، رياض الأسعد، الجنوبي «المودرن» وسليل عائلة «البكوات». هناك يلتقط صور الطيور،
محتفياً باختفاء الزعيم وجذلاً بولادة الفرد المجهول.
لا يقول لهم إنه يحفظهم من كل شر. يقول: احفظوني. وهم، ما داموا يتلفتون حولهم، ولا يجدون واحداً آخر يصل إلى قامته، سيجدون له الأعذار، ثم المبررات، ثم سيقولون
إنه أدرى بمصلحتهم، ثم سيقتنعون ان الحق معه كالعادة.
وبينما يقنع أهله أنه في هذه المرة ايضاً أدرى بمصلحتهم، يتطلّع إلى الشام. ويظل يتطلع إلى أن يلتقي رئيسها. قال حامل الكتب قوله: يمكن من أحرق كل أشرعته، أن
ينسجها، هي نفسها، من جديد. ويمكن الواقع غالباً ان يكون أغرب من الخيال.
في رحلة عودته، بدا أنه لا يفعل شيئاً إلا الخسارة. قيل إنه يخسر من زعامته ويخسر من ثقل طائفته، ويخسر قبل كل شيء قلوب وعقول ابناء طائفته. وبينما لبنان ودوله
القريبة والبعيدة، يدورون بلا طائل حول بعضهم البعض، وحول المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، في رقصة انتظارات منهكة، كان وليد جنبلاط وحده يمشي قدماً. عاد
إلى دفء الحضن الأول، وتخلى عن حلفاء الغربة من دون أن يتخلى هؤلاء عنه، وجنّب الدروز هواء الفتنة الأصفر.
ما إن انتهى عام الانتظار وبدأ عام التنفيذ، حتى وقف الجميع مشدوهاً، ينظر صوب الرجل الذي آلت إليه العيون كلها، تترقب قراره. وقد آن لوليد جنبلاط أن يبتسم
ابتسامته الساخرة. لقد أثبت مرة من جديد بأن لا بدّ منه، ولا مفرّ منه. للدول وللطوائف والأحزاب. الأقلية تصبح قوة مرجحة. وعلى مشجب قرار رئيسها.. ترتسم صورة
البلد الجديدة غداً.
لم يخسر جنبلاط في العام الفائت إلا ساراماغو، الاديب البرتغالي الساخر الذي حمل رواياته من باب إلى باب، مغنياً مكتبات الساسة بأدب رفيع، وبسخرية عميقة، هي
على الأرجح السبب الاول لإعجاب جنبلاط بالشيوعي حامل «نوبل» للآداب. وهو يعلم أن الصبر والسخرية ليستا ميزتي «المناضل البلشفي» كما قال لينين، فحسب، بل هما،
أيضاً، ميزتان يحتاجهما «البيك» كي يستمر مبحراً في تناقضات السياسة اللبنانية وصراعاتها التي يبدو راغبا بالافادة منها وخائفا منها في آن معاً، ومع ذلك، يخرج
منها كأكبر الرابحين. وبسببها، هذه الصراعات، يعود ليكون من بين الاقوياء، إن لم يكن هو نفسه، في مثل هذه اللحظة، الرجل الأقوى.
السفير 15 كانون الثاني 2011

No comments:

Post a Comment