الحركات الإسلامية تعيش فترة انتقال بين «مرحلتين» (1)
الأيـوبـي: عـدم الاسـتقرار فـي سـوريـا لـيـس فـي مصلحتـنـا ولا المقـاومـة«الجماعة الإسلامية» للاستفادة من الثورات العربية.. لبنانياً
غسان ريفي
إذا كانت حرب العام 1973 شكّلت أول انعطافة في مسار «الإسلام الحركي» الذي انطلق من نتائج تلك الحرب نحو بداية التغيير في الأداء والفكر، مستفيداً من الفورة
النفطية في الخليج العربي التي ساهمت، خصوصاً بعد توقيع مصر معاهدة كامب دايفيد وإخراجها من موقعها القطبي في العالم العربي، في تحوّل وجهة «المرجعية» من الأزهر
في مصر نحو المملكة العربية السعودية، مع ما يعني ذلك من تغيير في النهج الفكري، فإن ذلك «الإسلام الحركي» الذي استُنهض بقرار أميركي ـ سعودي بعد دخول الجيش
السوفياتي إلى أفغانستان في العام 1979، شهد مساراً تصاعدياً على إيقاع الأحداث في المنطقة العربية، برغم ما أصيب به من نكسات و«هزائم» وضربات كانت تستهدف حالات
محددة تبعاً لما تقتضيه المصالح السياسية الدولية التي كانت تحاول استثمار هذه التيارات «الأصولية» في مكان محدد أو إضعافها في مكان آخر عندما تقتضي التضحية
بها قبل أن تتحوّل عبئاً على هذه المصالح.
مما لا شكّ فيه أن «الإسلام الحركي» وضع نفسه تحت المجهر منذ أن قرّر العمل على قلب أنظمة الحكم في العالم العربي ديموقراطياً أو بطرق أخرى، ويومها وجد نفسه
في مواجهة مباشرة مع هذه الأنظمة التي لم تكن لتستسلم بسهولة أمام «المدّ الإسلامي»، إلى أن جاء تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 أيلول 2001 والذي
جعل الولايات المتحدة الأميركية رأس حربة في هذه المواجهة مع «الإسلاميين» وقدّم أيضاً خدمة كبرى لأنظمة الحكم في العالم العربي لتخوض حرباً شرسة مع أصحاب مشروع
إقامة «الإمارات الإسلامية» بدلاً من الممالك والجمهوريات الحزبية والعائلية.
مع هذه المواجهة المفتوحة، وخاصة بعد احتلال افغانستان والعراق، دخل «الإسلام الحركي» بما يمكن وصفه بـ«أزمة وجود» بعد أن كان يعاني من أزمة «الهوية السياسية»
وغياب المظلة التي يمكن أن تؤمن له الحماية في صراع البقاء.
لكن هذه التيارات التي كان أداؤها يساعد خصومها على الترويج لفكرة التصاقها بالإرهاب، لم تغيّر من نمطية مواجهتها برغم انتقالها من مرحلة الهجوم إلى مرحلة الدفاع
عن النفس، وبدأت تدرك متأخرة أن المطلوب ليس القضاء عليها تنظيمياً، وإنما «اجتثاث» ايديولوجيتها المرتكزة على الفكر السلفي، لتكتشف بعد حين أن «الأصولية» باتت
في نظر العالم رديفاً للإرهاب، وكل ذلك ساهم في ارتباك تلك التيارات وفي تعزيز مسارها التراجعي الذي اضطرها للتشرذم والبحث عن سقف سياسي رسمي يؤمن لها البقاء
ولو في أحضان الأنظمة، فوقع بعضها في كمين «التدجين» وانكفأ بعضها إلى العمل السري وانشغل البعض الآخر في «تبييض» صفحته، بينما التزمت ثلّة من تلك التيارات
بخيار العناد والمواجهة «حتى الاستشهاد».
كل ذلك ساهم في تهيئة الظروف للإنقضاض على تلك التيارات، لكن إدارة الأميركيين للمواجهة مع الأصولية الإسلامية، كانت تترافق دائما مع هاجس الحاجة إلى بديل من
الصنف نفسه، لأن القضاء على هذه الأصولية قد يتسبب بخلق أصولية أكثر شراسة.
أنتجت القراءة المعمّقة ضرورة البحث عن «الإسلام الحركي الجديد»، فكان «النموذج التركي» أحد أبرز تلك البدائل. يعرف الأميركيون الذين واجهوا في ما مضى «إخوان
تركيا» أن تجربتهم لم تحمل ضرراً للولايات المتحدة، وأن «حزب العدالة والتنمية» هو جزء من منظومة إسلامية عالمية هي حركة «الإخوان المسلمين»، حاله كحال تنظيمات
أخرى مثل «حماس» في الساحة الفلسطينية و«الجماعة الاسلامية» في لبنان.
اتخذ القرار بطي صفحة.. كان الرهان في ما مضى على الإسلام السلفي لمواجهة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وأيضاً لغايات أخرى، أما اليوم، فثمة حاجة تقتضي الرهان
على «إسلام آخر» يمكن التفاهم والحوار معه، وخاصة في العنوان المركزي وهو الصراع العربي ـ الاسرائيلي.
جاءت الثورة التونسية ومن بعدها المصرية لتطلق الشرارة.. نجح أداء الإسلاميين المعتدلين فارتفعت حظوظهم.. وفي المقابل، برزت سلفيات من هنا وهناك، وبالتالي،
حان وقت إقفال ملف الإسلام الأصولي.. تمت تصفية زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن الذي كان رمز هذا الاسلام الأصولي الجهادي.. وفتحت صفحة جديدة ما تزال بحاجة إلى
وقت لبلورة خطوط الطول والعرض فيها.. إنه عصر «الإسلام المعتدل»، فكيف سيتعايش معه «إسلاميو بن لادن»؟. يمكن القول أن «الجماعة الاسلامية» في لبنان قبل الثورات
العربية، وخصوصا الثورة المصرية ليست كما بعدها، فهي تلقت جرعة معنوية كبيرة جعلتها تتنفس الصعداء من خلال ازالة القيود التي كانت تكبل حركة جماعة «الاخوان
المسلمين» في مصر بعد الاطاحة بنظام الرئيس حسني مبارك، وفتحت عودة «الأخوان» الى الحياة السياسية المصرية الباب واسعا أمام حراك نوعي على الصعيد اللبناني بدأت
معالمه تظهر منذ وفاة الأمين العام السابق لـ«الجماعة» الشيخ فيصل مولوي، حيث اغتنمت مناسبة تشييعه للتذكير أنها تشكل امتدادا إستراتيجيا لجماعة «الأخوان المسلمين»،
وأنها من نتاج مدرسة الامام حسن البنا الفكرية.
وقد ترجم ذلك بمشاركة «إخوانية» لافتة للانتباه في الجنازة، أعقبتها زيارة خاصة للمرشد العام لـ«الأخوان المسلمين» في مصر الدكتور محمد بديع على رأس وفد من
كبار القياديين، أعطى خلالها توجيهاته ونظرة «الأخوان المسلمين» حول ما يجري في المنطقة لكل الكوادر الأساسية في «الجماعة» والعاملين في مؤسساتها.
كما شكلت «قوات الفجر» التي برز حضورها في مأتم مولوي بالبدلات العسكرية السوداء وفي سائر النشاطات التي أعقبتها رسالة واضحة بأن «الجماعة الاسلامية» حاضرة
لتلعب دورا ما على الساحة اللبنانية، وأنها تتمتع بعلاقة إستراتيجية مع المقاومة الاسلامية بما يخص مواجهة العدو الإسرائيلي، ليس في لبنان فحسب، بل حتى في داخل
فلسطين التي تعتبرها «الجماعة الاسلامية» قضية الأمة، وأن لبنان هو جزء أساسي من هذا الصراع كونه أحد بوابات العالم العربي نحو الأراضي المحتلة.
ولا تخفي «الجماعة الاسلامية» أن ما استجد على صعيد الواقع المصري وخاصة لجهة انتهاء التضييق على «الاخوان المسلمين»، وإطلاق حريتهم في التعبير عما تختزنه مدرسة
الامام حسن البنا، «يعطيها هامشا أكبر في نشر هذه الدعوة على صعيد الواقع اللبناني، لجهة تحقيق رؤية مشتركة على الساحة الاسلامية بهدف إيجاد أرضية تجمع بينها
وبين مكونات المجتمع اللبناني للوصول في المستقبل الى صياغة جديدة للواقع اللبناني ضمن محيطه العربي، إنطلاقا من مشكلة الهوية اللبنانية في العداء لاسرائيل
والتي كانت حسمت في شق منها في اتفاق الطائف، قبل أن تعود من جديد بعد الانقسام العامودي الحاد الذي أعقب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
لذلك فان «الجماعة الإسلامية» تجد نفسها قادرة على لعب دور هام في بلورة موقع لبنان في الصراع العربي ـ الإسرائيلي ككل وفي الانتماء للمحيط العربي. ويبدو واضحا
أن «الجماعة» تستعد لمواجهة المتغيرات الناتجة عن الثورات في العالم العربي، انطلاقا من إيمانها بأن المسلمين أمة واحدة وأن ما يعني أي شعب مسلم، يعني المسلمين
في كل بقاع الأرض، وهي تؤمن أن ثمة مرحلة جديدة ستصنعها الشعوب العربية ستكون مختلفة عما صنعه الاستعمار غداة «سايكس بيكو» وعما صنعته الأنظمة التي جثمت على
صدور شعوبها عقودا من الزمن من استغلال للسلطة وسرقة الثروات.
وترفض «الجماعة الاسلامية» وصف الثورات العربية بـ«المسلحة» بل تعتبرها سلمية وناتجة عن حال الظلم والقهر والاستبداد والتسلط الذي كانت تمارسه الأنظمة القائمة
على شعوبها، وأنها ثورات نابعة من قناعات الشعوب، وليست ثورة حزب أو طائفة أو مذهب، لذلك فهي نجحت في مصر وتونس في تحقيق الحرية والعدالة وفي التأسيس لمرحلة
جديدة من الحكم، لكن تدخل المجتمع الدولي الخائف على مصالحة من مسيرة التغيير الحاصلة، ومحاولته التحكم بهذه الثورات ليعيد صياغة منظومته من جديد، بدأ يعطي
هذه الثورات طابعا مختلفا من القتل والتهديد بالتقسيم، وما يجري في ليبيا أكبر دليل على ذلك.
وفي هذا الاطار ترى «الجماعة الاسلامية» أن ما يجري في سوريا اليوم «هو ثورة شعب يريد إصلاحات، ولم يلمس حتى الآن رغبة حقيقية صادقة من النظام باجرائها، وأن
هذا الشعب لم تكن لديه رغبة باسقاط النظام، لكن ممارسات هذا النظام لجهة تقديمه خطابات إنشائية وتعامله مع المتظاهرين بالقمع من قبل أجهزته الأمنية دفع بهم
الى تصعيد المطالب نحو التغيير الكامل». الأيوبي ويبدي رئيس المكتب السياسي في «الجماعة الاسلامية» عزام الأيوبي تفاؤله الكبير بالثورات العربية، ويأمل أن تستجيب
الأنظمة لتطلعات شعوبها لأن في هذه الاستجابة حقنا للدماء وسبيلا للحرية، وإلا فان استمرار هذه الثورات وتصاعدها سيكون السمة الأساسية للمرحلة المقبلة.
ويؤكد الأيوبي أن استمرار الاضطرابات في سوريا يجعل «الشام» غير قادرة على أن تكون جزءاً من مكونات الصراع العربي ـ الاسرائيلي، متمنيا أن تنجز هذه الثورة بأسرع
وقت ممكن سواء عبر الاصلاح الحقيقي الذي يحقق تطلعات وطموحات الشعب، وإما بالتغيير لأن حال المراوحة ليست في مصلحة أحد!
ويشدد الأيوبي على أن «الجماعة الاسلامية» ملتزمة بالدفاع عن المقاومة وحمايتها، كونها تعتبر نفسها جزءاً أساسيا من مكوناتها من خلال «قوات الفجر» التي تتمتع
بجهوزية تامة، لافتا الانتباه الى أن العلاقة مع المقاومة هي علاقة إستراتيجية لمواجهة إسرائيل، «وعندما نرفع الغطاء عن أي استخدام للسلاح في الداخل فهذا من
باب حماية هذه المقاومة وتأمين الاجماع الوطني عليها».
ومن هذا المنطلق، يؤكد الأيوبي أن عدم الاستقرار في سوريا ليس في مصلحة المقاومة و«الجماعة الاسلامية» على حد سواء. ويرى أنه حان الوقت الذي يجب أن تستفيد فيه
«الجماعة الاسلامية» من وسطيتها ومن فكرها في الواقع السياسي اللبناني، لكي تلعب دورا جامعا في الساحة الاسلامية وضمن الساحة الوطنية لبناء أرضية عمل مشتركة
تؤسس لقيام دولة حقيقية بعيدا عن المنطق الفئوي والطائفي والمذهبي، وضمن معيار واحد هو المواطن اللبناني تحت سقف الحرية والعدالة.
ويعتبر الأيوبي أن الانحياز لفريق دون آخر في لبنان هو خيار خاسر، لافتا الانتباه الى أن «الجماعة» ستكون اليوم وأكثر من أي وقت مضى خارج الاصطفافات السياسية
سواء في 8 أو 14 آذار، وستحرص على أن تكون الوعاء الحاضن لجميع مكونات المجتمع اللبناني.
السفير
No comments:
Post a Comment