«السلفية العلمية المتقدمة» ضد مبدأ الخروج على الحاكم:
التغيـيـر مـن القـاعـدة إلـى رأس الـهـرم.. لا العـكـس
غسان ريفي
تختلف «السلفية العلمية المتقدمة» مع سلفية «البناء والإصلاح» التي يمثلها التيار السلفي في لبنان، سواء في السياسة أو في الفكر والرأي والنظرة الى ما يجري
على الصعيد العربي من أحداث وثورات شعبية، إضافة الى اختلافها في بعض الفتاوى والاجتهادات، فهي بالأساس ترفض الفكر الجهادي القاعدي، وتدخل في صراع كبير معه
على صعيد الفتاوى والكتب والمناظرات على المواقع الالكترونية.
تؤمن هذه «السلفية العلمية» بممارسة العمل السياسي والاجتماعي تحت ظل الأنظمة التي تعيش فيها ولو كانت أنظمة غير إسلامية، وترفض اسـتخدام العنف في تغيير المنكر،
وتتمتع بعلاقات حسنة مع مختلف الطوائف وهي تفتح حوارا في لبنان مع «حزب الله» وتتحالف مع الاعتدال السـني السـياسي.
برزت السلفية العلمية المتقدمة قبل عدة سنوات من خلال ميثاق المعاهد والمؤسسات السلفية الذي تضمن ثوابت عدم التكفير والركون الى التفهم والحوار والتعاون مع
مختلف أطياف المجتمع اللبناني، ثم دخلت المعترك السياسي انطلاقا من خلافها مع التيار السلفي الذي جنح باتجاه قوى 14 آذار، بينما هي بقيت على الحياد في البداية،
ثم وقعت وثيقة التفاهم مع «حزب الله» تحت شعار نبذ الفتنة المذهبية والعنف والحفاظ على خصوصية كل طائفة وكل مذهب.
لا ازدواجية في النظرة الى الثورات العربية من ليبيا الى البحرين ومن مصر الى سوريا، لدى السلفية العلمية المتقدمة، فهي ضد هذه الثورات بالمطلق، وضد مبدأ الخروج
على الحاكم، انطلاقا من قاعدة أساسية هي وجوب التغيير من القاعدة الى رأس الهرم وليس بالعكس، وسلمياً، عملا بالآية الكريمة «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا
ما بأنفسهم» وبالحديثين الشريفين: «كما تكونون يولّى عليكم» و«أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم».
وتعتبر هذه الجماعة السلفية أن تغيير الأنظمة كما هو حاصل اليوم سيؤدي في أحسن الأحوال الى المجهول وفي أسوأ الأحوال الى فتنة، وعلى قاعدة اختيار «أهون الشرين»،
فإنها تختار بقاء الأنظمة ما دام انه لا عمليات تغيير مبرمجة تبدأ من المجتمعات وتتطور لتصل الى رؤوس هذه الأنظمة.
لا تشكك السلفية العلمية المتقدمة في نوايا وإخلاص المحتجين والمطالبين بالحرية في الدول العربية التي تشهد ثورات شعبية، لكنها ترى أن «ضارب الدف» الأميركي
هو الذي يضبط إيقاع هذه الثورات فيرفع وتيرتها هنا، ويخفف منها هناك وفق ما تقتضيه مصالحه.
وتأخذ السلفية العلمية على الشعوب العربية والإسلامية انها ترقص مع أي «ضارب دف» دون أن تنظر الى الخلفيات والى حجم الضرر أو الاستفادة من هذه التحركات، ودون
النظر الى المسألة الشرعية التي تؤكد على أن «درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة» وأن دفع الشر الذي يتمثل اليوم بالفتنة أو الفوضى في البلاد العربية والإسلامية
أهم بكثير من الحصول على مكاسب الحرية والديموقراطية، خصوصا أن أميركا ومعها الدول الغربية بعد أن هزمت في مشاريعها العسكرية، بنظر السلفية العلمية المتقدمة،
تحاول اليوم أن تزرع الفتن بين جنبات الأمة العربية والإسلامية من أجل إراحة إسرائيل من جهة، وللسيطرة على ثروات الأمة من جهة ثانية.
وانطلاقا من رفضها مبدأ الثورات عموما، لا تعتبر السلفية العلمية المتقدمة أن الثورة في مصر نجحت في تغيير النظام، بل هي أدت الى تغيير الرئيس حسني مبارك الذي
بالفعل طغى كثيرا وحاصر الفلسطينيين في غزة بشكل شنيع، لكن حتى الآن لم تشهد مصر الاستقرار المنشود، فنسب الجريمة ارتفعت، والفتنة الإسلامية ـ المسيحية تطل
برأسها.
أما في سوريا فللسلفية العلمية رأي آخر يشير الى أن ما يحصل في المدن السورية لا يعدو مجرد هزة غير منسقة وغير منظمة وستؤدي بأصحابها الى الهلاك، خصوصا أن الوضع
مختلف في سوريا، «فالنظام قوي والجيش متماسك والتجار واعون لما يجري، والجهاز الديني بمؤسساته وعلمائه ومشايخه حاضر، وكل هؤلاء يدعمون النظام ويتمسكون ببقائه».
وينفي رئيس «جمعية الأخوة الاسلامية» الشيخ صفوان الزعبي وجود سلفيين حقيقيين في الثورات العربية، لافتا النظر الى أن كل المنظرين للدعوة السلفية هم ضد مبدأ
الثورات بالمطلق، وأن من يشارك في الثورات يخالف بشكل واضح وصريح منهج الدعوة السلفية، فضلا عن وجود من يدعي السلفية وهو ليس سلفيا.
ويرفض الشيخ الزعبي توصيف الفتنة الطائفية التي تطل برأسها في مصر بأنها فتنة سلفية ـ قبطية، بل هي بنظره فتنة إسلامية ـ قبطية أسس لها النظام المصري منذ زمن
وبقيت تحت الرماد وقد حان اليوم أوان استخدامها، وقد يكون الحضور السلفي في مصر طاغيا اليوم ولافتا للأنظار ذلك لأن هذه الجماعة بدأت بالتحرك من جديد بعد سنوات
من القهر والظلم والقمع.
ويخلص الزعبي للقول إن السلفية هي دعوة علمية متقدمة، وتحتاج الى الأمن والاستقرار لنشر مبادئها، وهي أكثر الجماعات قبولا وتحاورا مع الآخر سواء كان موافقا
لها في العقيدة أو مخالفاً أو من غير دين أو من غير مذهب، وليست مع إلغاء أي مكون من مكونات المجتمع، كما أنها لا تسعى بتاتا نحو الحكم، وبرأيها أن أي حاكم
سواء كان إسلاميا أو غير إسلامي فهو غير ديموقراطي وسيمارس القمع على شعبه.
كما ينفي الزعبي صفة السلفية عن تنظيم «القاعدة»، مشيرا إلى أن الشيخ أسامة بن لادن هو تلميذ عبد الله عزام وهذا الأخير يعد من أبرز رموز «الإخوان المسلمين»،
مؤكدا أن فكر «القاعدة» قريب من فكر «الإخوان» وليس من فكر السلفيين.
ويرى رئيس «المنتدى الإسلامي للدعوة والحوار» الشيخ محمد خضر أن أي حركة تغيير تهدف الى استبدال نظام حكم بآخر يجب أن تتوفر لها مقومات النجاح في أمرين: مشروعية
التحرك، والقدرة على إحداث التغيير المطلوب حتى لا تضيع الأرواح والجهود سدى وتحصل الفتنة، ويقول: هذا ما يفسر ترددنا في تأييد بعض الحركات الجماهيرية في بعض
الدول العربية بينما كنا مؤيدين في مصر وتونس حيث توفرت المقدمات التغييرية، لا سيما على صعيد القدرة والاستطاعة من خلال الموقف المحايد للقوى المسلحة في البلدين،
أما في أماكن أخرى مثل ليبيا وسوريا فقد وقف الجيش ضد حركة الجماهير وبالتالي أصبحت ثورتهم أقرب الى عملية انتحار جماعي منها الى انتفاضة أو ثورة سلمية مدروسة،
لذلك من موقع الحرص على دماء الجماهير ومصالح الأمة، لا سيما من المفهوم الشرعي، لا يمكن أن نؤمن فتوى أو حكما شرعيا إذا لم نر أن هذه الثورات تتوفر فيها القدرات
المطلوبة على إحداث التغيير المنشود، خصوصا أن الحركات التغييرية غير المدروسة تضع الجماهير في خدمة مشاريع أخرى تحولهم من واقع مرير الى واقع أمرّ وهذا أمر
غير جائز.
السفير
No comments:
Post a Comment