بين الواقعية السياسية والوسطية والرؤوس الحامية وتغيير الطائفشبه إجماع مسيحي على تطوير النظام.. وخلاف على التوقيت
دنيز عطالله حداد
يتندر أحد السياسيين المخضرمين بما يسمّيه «التسالي اللبنانية وسط الأزمات العربية». يقول إن «أسخف ما سمعناه منذ بدء الأحداث في سوريا مقولتان. الأولى، تؤكد
ضلوع «تيار المستقبل» في تلك الأحداث والثانية، تلك التي تسمّي بالأسماء قتلى لـ«حزب الله» سقطوا في سوريا دفاعاً عن النظام». ويعتبر أن «اللبنانيين يتلهون
بأشياء كثيرة فيما المطلوب واحد وهو إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل ان تدركنا العواصف العربية وتداعياتها».
يلتقي السياسي مع كثر في الحديث عن مشاكل في النظام السياسي اللبناني. لكنه لا يجد الظرف مناسباً «لا داخلياً ولا خارجياً للبحث في تعديلات جوهرية. لنلتزم بتطبيق
النظام والقوانين ولنعط انفسنا مهلة من الاستقرار الداخلي يهيئ الى حد مقبول من التوافق العام ثم نعود لنبحث في تعديل النظام او تطويره». ويجد «الحديث عن اتفاق
الطائف أمراً مشروعاً لكن توقيته غير موفق».
ويعتبر السياسي نفسه ان «الانقسام في البلد يزداد عمقاً، والوسطية، مع الأسف، صفة لملتبسي المواقف او الباحثين عن تثبيت الدور والحضور وسط قوى لا تعترف الا
بشرعية قوتها».
لكن وجهة النظر هذه تستفز عدداً من الساعين الى «وسطية جامعة تشكل جسر عبور بين الطرفين المتخاصمين والمشروعين الكبيرين اللذين يقسمان البلد»، على ما يؤكد قيادي
بارز في حزب الكتائب. ويضيف «أننا اصحاب رأي وموقف ومشروعنا هو مشروع الدولة واستكمال بنائها وتحصين استقلالنا. لكننا لا يمكننا أن نعيش كلبنانيين في بوتقة
افكارنا وطروحاتنا ونغلق الأبواب على كل حوار قد يوصل الى توافقات وطنية جامعة. هذا هاجسنا اليوم. تحصين وضعنا الداخلي والخروج من مجموع أزماتنا التي باتت تشكل
خطراً على البلد والناس وعلى مستقبلنا جميعاً». ويحذر القيادي الكتائبي «بأننا ان لم نسارع الى تدارك وضعنا السياسي ونتوافق، اقله، على حدود الاختلاف، سنكون
في فترة قصيرة قد تجاوزنا خطوط الاستقرار الحمراء. ونحن لا نقول ذلك من باب تخويف الناس بل من باب تحميل الجميع مسؤولياتهم، ولا سيما السياسيين».
لا يريد حزب الكتائب الدخول في «تصنيف الناس والسياسيين» على ما يقول القيادي الحزبي، «لكن في البلد شخصيات من «المعسكرين» قادرة على صياغة رؤية مشتركة لتخطي
هذه المرحلة الدقيقة في لبنان وعليه. وهناك سياسيون يمارسون الواقعية السياسية المحكومة بشروط لبنان وظروفه وتركيبته مستندة الى التاريخ والجغرافيا والدين والحضارة
والديموغرافيا. وعلينا تقدير دورهم وجهودهم والبحث في كيفية تعميم الواقعية السياسية على الجميع بعيداً عن الرؤوس الحامية التي لا توصل إلا الى حيطان مسدودة».
وبين الواقعية السياسية والوسطية والرؤوس الحامية وبين تغيير النظام، يعتبر أحد وجوه «14 آذار» ان «التغيير مصير محتوم في لبنان كما في المنطقة. لكن وجهة التغيير
هي ما يجب ان يناقشه اللبنانيون ويتفقوا عليه. لا يستقيم الوضع بفكرة تطرح من هنا او تعديل يُقترح من هناك. علينا وضع تصور لما نريد هذا البلد ان يكون عليه
ليواكب، وحتى ليتقدم، الربيع العربي. لكن التغيير محكوم بجملة عوامل ولا يمكن ان يكون عشوائياً وفي مناخ من المناكفات السياسية. لمرة علينا ألا نحدث تعديلاً
او تغييراً على وقع الرصاص او الدماء. والتغيير يتطلب أن يرفع المجتمع المدني أولاً فكره وفكرته. فلبنان لا يجب ان يبقى محكوماً بصراع مجموعة قوى طائفية وحزبية
ترسم غده وفقاً لمصالح يومها».
وحسب الوجه الآذاري نفسه «الكلام اليوم عن تعديل الطائف او اية تعديلات دستورية أخرى غير مفيد لانه ليس التوقيت المناسب. ومن يطرح التعديل عليه ان يقدم طرحاً
متكاملاً لا أن يقاربه من زاوية ضيقة ومصلحة محدودة. نحتاج الى ورشة اصلاحات لكن الواقعية تفرض أن نبدأ بتشكيل حكومة وتسيير شؤون الناس قبل الانتقال الى مراحل
تحتاج توافقات كبيرة وظروف مؤاتية». ولا يخفي «ان البحث في تطوير النظام يحتل جزءاً من النقاشات الداخلية لـ«14 آذار» ولكن من منطلقات تتجاوز المزايدات الطائفية
الضيقة. وسنسعى في فترة قريبة الى الاستعانة بمتخصصين وحقوقيين وقانونيين من الدول الرائدة بتجاربها الديموقراطية، ليناقشوا مع تيارات في المجتمع المدني وشباب
من لبنان إمكان تطوير النظام وصولاً الى بلورة فكرة الدولة المدنية حيث يتساوى جميع الناس».
وعما اذا كانت كل مكونات «14 آذار» تتفق على هذا الطرح يحاول القيادي في 14 آذار التهرب من الاجابة قبل القول «اللبنانيون محكومون بالوصول الى توافقات تعزز
ميثاقية هذا البلد وتفتح له الباب ليتنفس من رئتي العالم الديموقراطي الحديث... والرهان هو على المجتمع المدني وعلى وعي الناس لا سيما الشباب منهم ليبلوروا
صورة البلد الذي يريدونه».
هذا الكلام يوافق عليه نائب في «تكتل التغيير والاصلاح»، لكنه يسأل «كيف نحول الكلام النظري الى واقع سياسي معاش في جمهورية الطوائف اللبنانية؟ لا بدّ أن نتحلى
بواقعية في مقاربة المواضيع ولا نتلطى خلف شعارات وطروحات ترمى للمزايدة. لدينا ازمة في النظام اللبناني. والطائف لم يستطع ان يتجاوب مع طموحات كل اللبنانيين،
خصوصاً أنه أتى وفريق منهم مهزوم ومحبط. نحن لا نريد تعديلات اليوم ولكن لا بد من وضع اطار وتصور يعيد للبلد توازناته ويعزز احترام كل الجماعات اللبنانية من
دون أن يعني ذلك إحياء الانقسامات الطائفية وتوزيع الارباح على الطوائف. لنضع تصوراً موحداً لما يريده اللبنانيون ولنعمل عليه ولو أخذ منا الوقت والجهد بدلاً
من رمي الكلام واعتماد «المونولوغ» في كلامنا عن النظام».
No comments:
Post a Comment