اشتباكات طرابلس: انفجار أوّل لغم في وجه الحكومة
عبد الكافي الصمد
عادت طرابلس أمس إلى الواجهة، من الباب الدموي. 5 قتلى و31 جريحاً سقطوا في اشتباكات وقعت عند خط التماس، الذي كاد يصير أبدياً بين التبانة وجبل محسن. وحتى ساعات الفجر الأولى، لم تكن الاشتباكات العنيفة قد انتهت، بل استمرت على شكل رشقات نارية متفرقة.
جذور الاشتباكات الدموية نبتت بعيد صلاة الجمعة، عندما تجمّع أكثر من 500 شخص في ساحة عبد الحميد كرامي (ساحة النور) «دعماً للشعب السوري ومناهضةً للنظام». أتى معظم المتظاهرين من منطقة القبة، حيث نظّمت رابطة الطلاب المسلمين والطلاب السوريون في الجامعة اللبنانية ـــــ الفرع الثالث، التظاهرة الأسبوعية بعد صلاة الجمعة. فمن مسجدي حمزة ورابطة الطلاب المسلمين في القبة، توجّه المشاركون نزولاً باتجاه ساحة كرامي، مع مجموعة قليلة محسوبة على التيار السلفي انطلقت من باب التبانة. اعتصم المشاركون في التظاهرة لأكثر من ساعة، وهم يرفعون الشعارات ويطلقون الهتافات المناهضة للنظام السوري ورئيسه.
وبعدما انفضّ المشاركون من الساحة، وقع عراك بين عدد منهم وشبان من منطقة جبل محسن، في شارع سوريا الفاصل بين التبانة وجبل محسن. وسرعان ما تطور العراك إلى تبادل لإطلاق الرصاص والقذائف الصاروخية على نحو كثيف. وتضاربت المعلومات بشأن أسباب انفلات الوضع الأمني على هذا النحو. مصادر منظمي التظاهرة وشهود عيان من المشاركين فيها أكدوا أنهم، أثناء نزولهم من القبة للمشاركة في اعتصام ساحة كرامي، تعرضوا لمضايقات واعتداءات عليهم في منطقة جبل محسن، وإلقاء قنابل يدوية باتجاههم، ما جعل مشاركة أكثريتهم متعذرة، ممّا أدى إلى ردّ فعل من جانبهم تمثل في قيام بعض الشبان بالرد على الاعتداءات والمضايقات بالمثل، قبل أن تتطور الأمور لتأخذ منحى خطيراً.
أما وجهة النظر الأخرى في منطقة جبل محسن، فأفادت أن المشاركين في التظاهرة كانوا خلال مرورهم في شوارعه يقومون بأعمال استفزازية ورشق بعض المواطنين بالحجارة، فضلاً عن إطلاقهم النار في الهواء ورميهم قنابل يدوية، قبل أن تتطور الأمور بحيث بات الرصاص ينهال على الجبل من المحاور كافة.
وقد أدى تدهور الوضع الأمني وتبادل إطلاق النار وقذائف الإنيرغا والـ«آر بي جي» ورصاص القنص على نحو كثيف إلى سقوط 3 قتلى، بينهم علي فاضل، أحد المسؤولين البارزين في الحزب العربي الديموقراطي (الذي يرأسه النائب السابق علي عيد). كذلك أشيع خبر مقتل خضر المصري، أحد الكوادر الرئيسيين بين مناصري الرئيس نجيب ميقاتي في باب التبانة. وأدى انتشار خبر مقتل الرجلين إلى ارتفاع مستوى التوتر في المنطقتين، وانتشار كثيف للمسلحين وصل إلى مناطق القبة والمنكوبين ومستديرة نهر أبو علي وبولفار النهر والزاهرية والأسواق القديمة. ولاحقاً، تبيّن أن المصري لم يُقتل، بل أصيب بجرح في رأسه، بعد «تعرضه لإطلاق النار من الخلف»، على حد قول مسؤول أمني رفيع المستوى. كذلك قُتل محمود عبد الحميد (عسكري في الجيش اللبناني كان موجوداً في المنطقة بلباسه المدني)، والفتى عبد الرحمن حبيش (14 عاماً) ومنذر الرفاعي.
ودفع هذا التدهور الخطير للوضع الأمني في طرابلس الجيش إلى اتخاذ إجراءات وتدابير عاجلة للجم الوضع، فسيّر دوريات ووسّع نطاق انتشاره في مختلف المناطق التي شهدت اشتباكات. ووصلت تعزيزات عسكرية كبيرة الى المدينة. وأحدثت الاشتباكات موجة نزوح كبيرة للأهالي من مناطق الاشتباكات وجوارها، فضلاً عن دمار هائل تعرضت له المنازل والمحال التجارية في مناطق الاشتباكات.
وعقد الرئيس نجيب ميقاتي سلسلة اجتماعات في منزله ليل أمس، وخاصةً مع فعاليات منطقة باب التبانة، ما أدى إلى الاتفاق على وقف لإطلاق النار، على أن ينتشر الجيش عند الساعة الواحدة من فجر اليوم في الشوارع الداخلية لمناطق الاشتباكات. وأكد ميقاتي لمن التقاهم أن الجيش لن يتساهل مع أي مسلح أو مظاهر مسلحة.
تداعيات الاشتباكات طرحت تساؤلات عدة بشأن توقيتها الذي جاء بعد إعلان الحكومة بأيام، ولتضع ممثلي طرابلس الخمسة في الحكومة على المحك. ومما أثار القلق على نحو واسع في طرابلس أمس، أن التظاهرات المعارضة للنظام السوري كانت تحصل في السابق من غير أن تؤدّي إلى تدهور الأمور على هذا النحو، ما دفع عدداً من منظمي تظاهرة أمس (بعضهم مقرب من رابطة الطلاب المسلمين) إلى اتهام «طابور خامس بالتعاون مع طرف أمني ـــــ سياسي لبناني بالدخول على الخط، وتفجير الوضع على هذا النحو».
وكانت الأوضاع في طرابلس لا تشير صباح أمس إلى إمكان تدهورها إلى هذا الحد. فبعد التحرك الذي أقيم في باب التبانة ليل أول من أمس، للمطالبة بالإفراج عن شاب سوري كانت السلطات اللبنانية قد أوقفته بعد لجوئه إلى لبنان إثر أحداث تلكلخ، وبعدم تسليمه إلى السلطات السورية، وبالإفراج عنه، جرى تحقيق مطلبهم ما أدّى إلى احتواء التحرك.
وفي هذا السياق كان إمام مسجد حربا في باب التبانة الشيخ مازن المحمد قد أكد لـ«الأخبار» أن منطقة باب التبانة «لن تشهد أي تحرك لا داخلها ولا انطلاقاً منها، وأن الوضع فيها بعد صلاة الجمعة سيكون طبيعياً، بعدما جرى التوصل إلى مخرج لهذه الأزمة»، لكن خاتمة الأمور لم تكن على قدر الآمال.
الاخبار
No comments:
Post a Comment