الحوت يبتلع «الشرق الأوسط» بمساعدة آخرين
حاول الحوت تحريض الموظفين بعضهم على بعض من منطلق طبقي (أرشيف ــ أ ب)
انتصر محمد الحوت. حين يقرر النائب ميشال عون وضع الملف بالجارور، ويستنفر الرئيس نبيه بري للدفاع عن ابنه الشرق أوسطي المدلل، ينتصر الحوت. ويدفع العمال «المشاغبون» الثمن
غسان سعود
قبل بضعة أشهر بالغ بعض الموظفين في شركة طيران الشرق الأوسط بالتفاؤل، لم تثنهم نصائح زملائهم بالاقتناع بما كتبه محمد الحوت لهم وعدم الرهان على ثورة من هنا وإصلاح من هناك، ولم يردعهم التهديد والوعيد المتعدد المصادر عن الحلم بتنظيف الشركة. وبلغت حماسة بعضهم لتبني النائب ميشال عون قضيتهم حدّ الانتساب إلى التيار الوطني الحر.
لكن الحوت الذي شعر للمرة الأولى بأن كرسيه في خطر، بادر إلى المواجهة:
بسرعة فائقة، فرز الموظفين بحسب طوائفهم: سُنّة وشيعة. وإذ صدف أن الحوت من الطائفة السُّنية، صدف أن «الأشاوس» وسط معارضيه في المطار من الطائفة الشيعية. وهكذا باتت المشكلة مذهبية بامتياز لا علاقة فيها لحقوق الموظفين المهدورة ولا للفساد المستشري في مؤسسة طيران الشرق الأوسط. وتزامناً، عمد الحوت إلى إيجاد حل لملف الفساد، فألف لجنة للتحقيق في كل ما يشاع عن هدر وسرقة، مقدماً صدفة سارة أخرى تتمثل بإشراك المتهمين بالمسؤولية عن الهدر في لجنة التحقيق بالهدر. وبالسرعة المطلوبة، أجرى الحوت اتصالاته بشركائه في إدارة «الشرق الأوسط»، المقربين من الرئيس نبيه بري، لتبدأ عين التينة اتصالاتها بأبناء الرعية في مطار بيروت، تؤنّبهم لطمعهم ومطالبتهم الحوت بتحسين ظروف عملهم. وبسحر ساحر، اختفى ملف طيران الشرق الأوسط عن طاولة الرابية، ونسي الجنرال، المحاط بنواب بعضهم يكثرون التنقل بين عواصم العالم على حساب الحوت، الموضوع. ولم ينته الحوت هنا، فأعاد وصل ما انقطع بينه وبين بعض النقابيين في الشركة الأم ومتفرعاتها. ففي المطار، هناك ثلاث نقابات أساسية، أُولاها نقابة مستخدمي طيران الشرق الأوسط والشركات التابعة لها، التي تنتخب كل سنتين 6 أعضاء يؤلفون مع الستة الذين سبق انتخابهم مجلس النقابة. وبحكم الانقسام السياسي، عجزت هذه النقابة عن انتخاب رئيس لها. وبدأ الحوت يستقطب أعضاءها المشتّتين واحداً تلو الآخر، مقدماً الهدايا السيّارة للمشاغبين وتسهيلات بدفع ثمن السيارة للأقل مشاغبة. وقد اختتم الانسجام بين الحوت وهذه النقابة، بتوقيع أعضائها الاثني عشر اتفاقاً معه يقضي بالتوقف عن المطالبة بأية حقوق للسنوات الثلاث ونصف المقبلة لقاء حصول الموظفين على زيادة أجور تبلغ لمن يعمل في الشركة منذ أكثر من عشرين عاماً ثمانية في المئة. أما ثانية النقابات، نقابة الطيّارين في لبنان، ففضّت إضرابها بعد تحقيق الكثير من مطالبها، عقب تدخل حثيث من الرئيس بري وأحد ضباط الاستخبارات. مع العلم بأن الحوت حاول الاستفادة من هذا الإضراب ليحرض الموظفين بعضهم على بعض من منطلق طبقي هذه المرة، على اعتبار أن أجر طيار واحد يكفي لتحسين أجور جميع الموظفين. تبقى نقابة المضيفين الجويين، الأشبه بنادٍ للمعجبين بالحوت.
هكذا، يشعر من تحمّس قبل بضعة أشهر للحد من نفوذ محمد الحوت في شركة طيران الشرق الأوسط بأن مديره حاصره من كل الجهات، وعليه الاستسلام إن كان يود الاستمرار بالتنفس في مكان عمله، بينما يشعر الحوت بفائض إضافي من القوة يدفعه إلى تدخين سيجارين معاً. ويستعد الحوت لاستكمال وضع يده على مختلف المفاصل في الشركة عبر تعيين ابن عمه، وسيم الحوت، مديراً عاماً لشركة الشرق الأوسط لخدمة الطائرات. والرواية هنا لافتة، فوسيم هو ابن عادل الحوت، دخل إلى الشركة عام 1994، لكن لم يلبث أن استقال إثر تقاعد والده عادل الحوت، الذي كان يشغل موقع رئيس محطة بيروت في شركة طيران الشرق الأوسط سابقاً، أو ما يوازي المدير العام لشركة الشرق الأوسط للخدمات (meag) اليوم. وبعد عودة عادل الحوت (عم محمد الحوت) إلى الشركة بعدما عينه محمد الحوت مستشاراً، عاد الابن (وسيم) إلى الشركة أيضاً ليشغل موقع مدير محطة الأردن والعراق وجدة. وقد عمد الحوت إلى التجديد لريشار مجاعص، المدير العام الحالي للميغ رغم بلوغه سن التقاعد قبل ثلاث سنوات، ريثما تسنح الفرصة لتعيين ابن عمه، وسيم الحوت، مديراً لشركة الشرق الأوسط لخدمة الطائرات. مع العلم بأن منافس وسيم الحوت على الموقع شبه الشاغر، هو محمد عيسى، المحسوب سياسياً ووظيفياً على الرئيس نبيه بري، ما يؤكد أن خطة الحوت لن تكون سهلة التطبيق، ولا بد من التردد أكثر من مرة على باريس للقاء المقربين من الرئيس بري وإقناعهم بتبني حوت إضافي. والجدير ذكره أن الحوت دأب منذ تسلمه مسؤولياته على وضع المواقع الأساسية في الشركة بتصرف المقربين منه عائلياً. فإلى جانبه دائماً هناك «الحاج عادل» الذي يشغل منصب مستشار المدير العام ويمسك بكل ما يتعلق بالتوظيف والترقيات. وفي قسم الهندسة، هناك قريبه عصام الحوت الذي بات مديراً للقسم رغم وجود موظفين أكفأ منه. أما صديقه نزار خوري فيرأس قسم المبيعات والتسويق الذي يضعه الحوت في مقدمة أولوياته، رغم خطورة تعيين مسؤولين في هذا القسم، بحسب المحسوبية لا الكفاءة، في ظل استغناء الحوت بعد إمساكه بالشركة عن الامتحانات التي كانت تجريها الشركة لقبول الموظفين في معظم الأقسام، مفضّلاً إجراء مقابلات شخصية مع الراغبين في التوظّف (سبق لـ«الأخبار» أن روت عن أقرباء آخرين من عديل الحوت إلى ابن عم زوجته).
أما الأخطر، فهو استمرار الحوت في تغطية ما يحصل في شركة الشرق الأوسط لخدمة المطارات (MEAS) التي يرأس مجلس إدارتها النائب غازي يوسف خلافاً للقانون. فمهمة هذه الشركة تشغيل مطار بيروت ومنشآته وصيانته. وهي تتقاضى للقيام بهذه المهمة نحو 12 مليون دولار تدفعها وزارة الأشغال العامة والنقل ممثلة بمجلس الإنماء والإعمار. ولا تدفع هذه الشركة فواتير كهرباء ولا إيجار مبانٍ ولا قطع غيار (يدفع مجلس الإنماء والإعمار ثمن قطع الغيار، وتتقاضى «ميس» مبلغ 10% من ثمن كل قطعة تركّبها وتشغلها)، وبالتالي تكاد مصاريف الشركة تقتصر على أجور العمال، الأمر الذي وفر لها عام 2007 ربحاً سنوياً يقارب ثلاثة ملايين دولار. وبعدما قررت الشركة إدارة أشغال الميكانيك وصيانة الأنفاق بنفسها، تجاوزت أرباحها السنوية عام 2008 أربعة ملايين دولار. لكن، هنا الفضيحة، توفي في نهاية ذلك العام، رئيس مجلس إدارة الشركة نبيل نصار وخلفه النائب غازي يوسف (رغم وجود قانون واضح يمنع النائب من شغل وظيفة كهذه). منذ وصول ممثل الشعب، بدأ تدهور الشركة مالياً. وفي عام واحد تحولت من شركة تربح إلى شركة لا تربح ولا تخسر، قبل تحولها بعد عام إلى شركة تعجز عن سداد أجور موظفيها. في ظل أخبار كثيرة، غير مثبتة، عن وجوه الهدر والسرقة في هذه الشركة التي يحمّل مسؤولوها مجلس الإنمار والإعمار مسؤولية تأخرهم في دفع رواتب موظفيهم. مع الأخذ في الاعتبار أن يوسف الذي يستمر بقبض راتبين كبيرين من الدولة، لم «يدعس» مكتبه في شركة الشرق الأوسط لخدمة المطارات منذ نحو ستة أشهر.
حين يرى الموظف نفسه يتحول فجأة إلى «سني»، ويرى زميله يقتني بين ليلة وضحاها غنى فيها للحوت سيارة جديدة، ويسمع ثناء نقابييه على رب العمل، ويصغي إلى توبيخ مرجعيته السياسية، ويكتشف أن الملفات على طاولة الإصلاح لا تكاد تحط حتى تتغير، لا يبقى له إلا الدعاء... لكل حوت بالتوفيق.
________________________________________
نبيل نقولا و«الأخبار»
بعد ترداد أكثر من موظف أنباءً عن صفقة عقدها الحوت مع الموظف الذي كان سبب إثارة النائب نبيل نقولا لملف شركة طيران الشرق الأوسط، اتصلت «الأخبار» بأحد المقربين من نقولا لتستوضح حقيقة ما حصل، فقدم هذا المقرب شرحاً واضحاً ومقنعاً، محمّلاً تشتت العمال وعدم تحملهم لمسؤولياتهم كاملة سبب تراجع اهتمام نقولا بقضيتهم. لكن لم يلبث النائب المتني أن اتصل بـ«الأخبار»، مهدداً بأنه سيقاضي من ينوي الكتابة عن الموضوع أو الموظفين الذين يبثون شائعات كهذه. ونصح نقولا من يرغبون بالكتابة عن شركة طيران الشرق الأوسط بشغل وقتهم والمساحة في صحفهم بأمور أهم؛ لأن على الصحافي ألا يكون ملكياً أكثر من الملك، وعليه ألا يتحمس لقضية تدفّعه الثمن، بينما المعنيون في هذه القضية يسكتون عن انتهاك حقهم ويبحثون عن الفتات لتقاسمه.
العدد ١٣٠٧ الاربعاء ٥ كانون الثاني ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment