أزمة لبنان في صحافة الغرب: حزب اللّه سبب البلاء!
بين قرع طبول الحرب الأهلية والدخول في نفق مظلم وتقديم النصائح للحريري الابن واتهام حزب الله بكل أزمات المنطقة... تخبّطت الصحافة الغربية أمس في مواكبتها لأحداث لبنان. جولة على مقالات أميركية وبريطانية وفرنسية حملت الكثير من الرأي والقليل من التحليل
صباح أيوب
أثبتت الصحف الغربية أمس، من خلال تحليلاتها المختلفة إلى حدّ التناقض للتطورات اللبنانية، صحّة ما كُتب أخيراً في مقال في «نيويورك تايمز» أنّ «لبنان ليس للهواة». وعلى الرغم من الاختلاف في السرد والربط والتوصيف، التقت المقالات الخارجية مع المحلية عند تفصيل واحد هو «بداية المجهول».
صحف أميركية، بريطانية وفرنسية حاولت تجميع قطع المشهد السياسي اللبناني مع حدث سقوط الحكومة فوقعت في الفخ الذي يفرضه تشعّب الوضع محلياً وإقليمياً وحتى دولياً، ما أنتج مقالات فيها الكثير من علامات الاستفهام. لكن ضبابية الحالة اللبنانية لم تمنع بعض الصحف الغربية من ترجيح أحد السيناريوهات على الأخرى وتسليم زمام الأمور إلى «مسبب الأزمة ومحرّكها الوحيد»: حزب الله.
أميركياً، وتحت عنوان «المهمّة الانتحارية الأخيرة لحزب الله» كتب تاناسيس كامبانيس في صحيفة «نيويورك تايمز» عن سقوط الحكومة اللبنانية واصفاً الحدث بـ«المرحلة الأخيرة لتحوّل حزب الله من حركة مقاومة إلى قوة حاكمة». وانطلاقاً من هذه النظرية، رأى كامبانيس أن الحزب «أحكم سيطرته كلياً على البلد ولن يوقفه أي شيء، حتى الحرب الأهلية، عن الحفاظ على وضعه الحالي». أما الدور الأميركي في لبنان فيصفه الصحافي بـ«المحدود» رغم الدعم الكامل لتحالف الحريري منذ عام 2005. ويبرر المقال محدودية الدور الأميركي بعدم تمكّن الولايات المتحدة من منع «جيوش حزب الله» وحلفائه من احتلال شوارع العاصمة بيروت (عام 2008) وعدم قدرتها على ردع تلك القوى عن الحصول على الثلث المعطل في الحكومة اللبنانية. الصحافي الذي ألّف كتاباً عن حزب الله وعقيدته العام الماضي، سمح لنفسه بتوجيه بعض النصائح لسعد الحريري: «التزِم المحكمة ودعها تعلن عن أدلتها في جلسة الحكم، وشدِّد على ثقتك بعدالة مسارها». مقال «نيويورك تايمز» يختم بنبرة حزينة إذ يستخلص أن حزب الله سيكون الرابح الأكبر لكونه «مستعداً للتضحية بالبلد من أجل الحفاظ على موقعه في وجه إسرائيل». نصيحة أخيرة لرئيس الوزراء «الوحيد المهجور»: «اضرب الكرة طويلاً للحصول على قرار عادل، وإلّا تكون أنتَ من خدم حزب الله للإفلات من العقاب».
مقال آخر في «نيويورك تايمز» من مراسليهم في الدوحة، يواكب تداعيات زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون للمنطقة ويقارن نسبة «الحماسة» في الكلام عن الحدث اللبناني والمحكمة الدولية بين كلينتون ورئيس وزراء قطر حمد بن جاسم آل ثاني: كلينتون التي بدت متحمسة جداً، وصفت انسحاب وزراء المعارضة اللبنانية بـ«محاولة من القوى الداخلية والخارجية لتدمير العدالة وهدم الاستقرار والتقدم في لبنان» داعية إلى الاستمرار بدعم عمل المحكمة الدولية وإنهاء إمكانية الإفلات من المحاسبة. من جهة أخرى يبيّن المقال فتور موقف آل ثاني الذي اقتصر على جملة وحيدة مفادها أنه لدينا ما يكفينا من المشاكل في المنطقة، لذا يجب علينا السعي إلى حلّ أزمة لبنان لا إلى تعقيدها.
سفير الولايات المتحدة السابق في المغرب مارك غينسبرغ كتب في موقع «هافينغتون بوست» مقالاً اتهامياً صريحاً بعنوان «عاصفة نار تهبّ على أرز لبنان» حيث وضع صراحة حزب الله ومن خلفه إيران في موقع المتسبب الأول في كل أزمات لبنان والمنطقة. «يراهن حزب الله على إشعال أزمة سياسية والتهديد بحرب أهلية وبذلك يبتزّ الحكومة اللبنانية والمحكمة الدولية لتأخير القرار الاتهامي أو تأجيله الى أجل غير مسمّى». ومن موقع الدبلوماسي السابق، يكشف غينسبرغ أنّ اتصالات دبلوماسية كثيفة أجريت مع سعد الحريري تدعوه إلى عدم الخضوع لابتزاز حزب الله. كاتب المقال يضع لبنان في المحور الإيراني، ويحدد حدث انسحاب «وزراء حزب الله» في إطار رسالة من حزب الله وإيران الى سوريا مفادها أن لإيران اليد الطولى في المنطقة، وأن حزب الله ينفّذ أوامرها فقط بغضّ النظر عن موقف سوريا ورغباتها. السفير السابق يسأل هل من المنطقي أن نصفح عن مجموعة إرهابية مدعومة من إيران من أجل «المصلحة العامة» حتى لو أن يديها ملطختان بدماء رئيس الوزراء اللبناني الأسبق؟ المقال «الدبلوماسي» يختتم بجملة تقول إن «مستقبل لبنان بما هو دولة مستقلة يبدأ بإظهار حقيقة حزب الله للعلن أنه ليس سوى منظمة سياسية إسلامية متطرفة ستتعامل مع الأقليات السنية والمارونية كما تعاملت مع الحريري: بالاغتيال والتهديد والعزل».
بريطانياً، لم تختلف مضامين المقالات التحليلية كثيراً عن الأميركية، لكن الآراء جاءت أقلّ حدّة مع الاعتراف بـ«الأفق المجهول» والسيناريوهات المفتوحة. وحدها محطة «سكاي نيوز» حذّرت، على لسان مراسلتها في الشرق الأوسط دومينيك واغورن، من أيام قريبة تهزّها الانفجارات والاغتيالات وصدامات في الشارع... ولم تستبعد تجدد الاضطرابات مع الحدود الشمالية لإسرائيل.
تحليل صحيفة «غارديان» بقلم محررها للشرق الأوسط إيان بلاك وبعنوان «الخوف من الحرب بعدما قفزت بيروت إلى المجهول» قد يكون الأقرب إلى المهنية وأخذ المسافة من الوقائع في سردها وربطها. مقال الـ«غارديان» ردّ سقوط الحكومة إلى ما سمّاه «الإرث السام لاغتيال الحريري» الذي جاء بقوى 14 آذار الى رأس السلطة بعد إخراج سوريا من لبنان بطريقة مذلّة. بلاك رأى أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل أملا أن تؤدّي التغيرات التي بدأت عام 2005 الى قطيعة بين دمشق وطهران، لكن ذلك لم يحدث.
مجلّة «إيكونوميست» كانت لها نظرة تشاؤمية إلى الوضع اللبناني، ففي مقال لها بعنوان «أسوأ من قبل؟» استبعدت التوصل إلى حلّ خصوصاً أن هناك رغبة شخصية لدى الحريري بتحقيق العدالة ضد أهداف حزب الله، أي بطريقة غير مباشرة، هو صراع بين قدرة أميركا ودهاء إيران.
فرنسياً، ركّزت افتتاحية «لو موند» أمس على الانقسامات الطائفية في لبنان وتحوله مجدداً إلى مسرح لصراعات القوى الخارجية. وصفت الصحيفة الفرنسية حدث انسحاب الوزراء من الحكومة بأنه دليل على أن «الحرب الأهلية اللبنانية مستمرة لكن بأساليب أخرى». «لو موند» حددت مستفيدين وحيدين من الوضع الحالي: إسرائيل التي تعارض أي تحالف مع عدوها المعلن حزب الله، والمستفيد الثاني هي إيران التي تريد أن تظهر قدرتها على دهورة الأوضاع عشية محادثاتها مع الغرب بشأن تطورها النووي. تنتهي افتتاحية «لو موند» بالتذكير أن زمن الميليشيات في لبنان قد ولّى وقد يكون الاقتتال الأهلي غير وارد الآن، لكن اللبنانيين سيبقون رهائن الصراع في الشرق الأوسط.
العدد ١٣١٤ الجمعة ١٤ كانون الثاني ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment