موت المسيحيين... قبل موتهم
جان عزيز
حين تنبأ أندريه مالرو، بأن «القرن الحادي والعشرين، إما أن يكون قرناً دينياً، وإما لا يكون»، كان يعبِّر عن توقه إلى أيام فضلى. جاء القرن المذكور، وصحّت نبوءة وزير ديغول، لكن خيبته لم تكن أقل ثبوتاً ووضوحاً.
بين ميلاد يسوع والموت حقداً في الإسكندرية، يُستذكر هذا الواقع الدولي العميم، وخصوصاً بالنسبة إلى مسيحيي الشرق. هؤلاء الذين لونوا وجه المنطقة منذ قرون طويلة، وحضروا في كل مآسيها ومناراتها، والذين في ميلاد عام 2010، باتوا يطرحون على أنفسهم السؤال، سنة فسنة، عما إذا كانوا سيشهدون الميلاد المقبل، على أرضهم، وأرض شرقهم.
الأسباب الموضوعية، للأزمة، باتت معروفة. أولها أزمة الإسلام السياسي مع الحداثة والعصرنة، التي تتبلور أزمة عميقة بين الفكر المركزي لهذا الشرق، و«الآخر» كمفهوم، قبل أن يكون حتى فرداً أو جماعة. وأزمة قيام إسرائيل، الكيان الذي سعَّر كل أزمات المنطقة. وأزمة منطق الجيوستراتيجيا.
كل هذا موجود وقائم، في صلب «باتوجينيا المسألة الشرقية». لكن هناك إلى جانبه، الأسباب الذاتية أيضاً، لموت المسيحيين الطوعي، قبل موتهم قسراً.
فمنذ ظهور مسألة الأقليات على مسرح هذه المنطقة، توزع مسيحيوها، وخصوصاً في لبنان، على واحدة من القراءات الآتية، لخلفية كونهم جماعة، تملك قضية:
أولاً، أصحاب القراءة اللاهوتية. وهي التي تستند إلى فكر مسيحي يقول بشمولية الرسالة الدينية، لكل مجالات الحياة، الخاصة والعامة. أي إن المسيحية نظام حياة، للفرد كما للجماعة والمجتمع والدولة. المسيحية أيضاً، دين ودولة، أو كما تخففها هذه القراءة، تمايزاً ربما، بأن «المسيحية أرض وسماء». بالنسبة إلى المؤمنين بهذه القراءة، ثمة بعد لاهوتي، ماورائي، يفرض على المسيحي أن يكون في نظام مجتمعي، أو حتى دولتي، يضمن له تحقيق ذاته، الفردية والجماعية، بكل أبعادها. هكذا، وبحسب هذه الخلفية الدينية، تصير أزمة الأقليات في أي دولة من دول المنطقة، وخصوصاً في لبنان ـــــ أزمة «دينين» اثنين، في نظام دولتي واحد، ما يوجد النزاع الدائم. لم تعرف هذه القراءة «أباً» واضحاً لفكرها وعقيدتها، مع أن شذرات كثيرة تحضر عنها، من الدويهي، وحتى الحويك، ومع ذيول مهجَّنة لأسسها، عند كمال يوسف الحاج. لكن أساسها يظل في فكر غربي مكتوم، عنونته الحركة اللوفيفرية في أوروبا.
ثانياً، أصحاب القراءة التاريخية والجغرا ـــــ سياسية. إنها قراءة الكليشيه الشهيرة، عن القرون الأربعة عشر، وكيف أن الإسلام، كدولة خصوصاً، غزا هذا الشرق، واجتاح شعوبه ودوله، وكيف أن «القضية اللبنانية»، ولدت من تحالف «الأمم ـــــ الجماعات» المهزومة، أمام الدولة الغازية.
ثالثاً، أصحاب القراءة السيكو ـــــ سوسيولوجية. هؤلاء، لا يؤمنون باللاهوت، إذ يقفزون فوقه، صوب «العلمانية المؤمنة». ولا يقفون عند التاريخ، بل يقاربونه بمحاولة تأوينية يومية. هؤلاء ينطلقون من علوم الأنتروبولجيا الدينية، ومن علم النفس السوسيولوجي، ومن ميرسيا إلياد إلى ماكس فيبر وما بينهما، ليقولوا إن «الفكرة الدينية»، عامل مكون للوجدان البشري، وهي أساس في تكوين شخصية الفرد، وإرساء البنية القاعدية للجماعة والمجتمع، في التفكير والسلوك والمخيلة والأجهزة المفهومية العامة. مختصر قراءة هؤلاء، أنه حتى ولو لم تكن مسيحياً ـــــ أو مسلماً ـــــ مؤمناً وممارساً وملتزماً، فمجرد انتمائك إلى بيئة هذه الفكرة الدينية أو تلك، يخلق فيك كائناً مجتمعياً مختلفاً عن الآخر، في كل أنماط تصرفك، في حياتك الفردية كشخص، كما في حياتك العامة كمواطن.
من تلك القراءة الثالثة، انبثقت الأفكار «التعددية الحداثوية» في محاولة فهم «القضية اللبنانية». من ميشال شيحا، حتى «الطائفيين»، نسبة إلى الطائف، لا إلى الطائفة.
ماذا بقي من تلك القراءات؟ تقريباً لا شيء. فالمسيحيون «اللاهوتيون» انقرضوا فعلياً من الوسط السياسي.
أما «التاريخيون»، فيدركون أنهم فقدوا ركيزة أساسية لمقاربتهم، بعدما ألغى القرن الجديد «دولة الإسلام» ليقيم بدلاً منها فسيفساء شديدة التعقيد، بين السُّنة والشيعة، حتى باتت خطوط التماس الكربلائية هي الطاغية على مشهد الشرق المعاصر، أكثر بكثير من خطوط معركة اليرموك أو مقولات «استكمال الفتح» وحلم الفتح، وتقويض آخر الثغور.
تبقى القراءة السوسيولوجية، أو ما بقي منها، في ظل «لبنانية» تجتاح ـــــ بالمعنى الإيجابي ـــــ كل الإنسان عندنا، وكل إنسان على هذه الأرض، إلا ما يصنف خطاباً ذرائعياً، بغائيات سلطوية لا غير.
مع ميلاد 2010 وموت الإسكندرية، يبدو المسيحيون، كأنهم قد ماتوا كعلة رسالة، قبل أن يموتوا ككائنات فيزيقية. فهل من يجترح لهم وللشرق من علاج؟
العدد ١٣٠٨ الخميس ٦ كانون الثاني ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment