Thursday, January 13, 2011

فخامـة المُربَك
جهاد بزي
«أيها اللبنانيات واللبنانيون، كلما خفقت راية الوطن، في ذكرى استقلاله، في لبنان وفي دنيا الانتشار الواسعة، هفّت إليها القلوب، وشخصت نحوها العيون وصفقت لها
الأكف، مستعيدة محطات النضال المجيدة التي اجتازها قبلنا قادة وطنيون»...
بمثل هذه الرخامة خاطب الرئيس ميشال سليمان اللبنانيين في رسالة الاستقلال الاخيرة، قبل أكثر من شهرين. من خطابه، خص مواطنيه بما يصلح لأن يدرّس في كتب اللغة
العربية الابتدائية. لغة مبالغ فيها كي تنجو من أي مضمون. فالرئيس ميشال سليمان لا يتوجه إلى شعبه، ولم يفعل من قبل. هو ملزم، منذ خطاب القسم، بالتوجه قلباً
وقالباً إلى شريك واحد هو «التوافق». وهو من اللحظة الاولى لوصوله إلى كرسي البلاد، بدا مديناً للوصف الذي التصق بمنصبه، حتى بات هذا الرئيس التوافقي توافقياً
بشدة. بات رئيساً توافقياً فوق العادة، وفوق قدرة المنصب نفسه على التحمل. باتت «توافقيته» هذه معضلة في حد ذاتها. فبينما لبنان يعيش، لنقل، في أزمة، يعيش الرئيس
في قصره في أزمات تتمحور حول سؤال يتيم: كيف يمكن الرئيس الحفاظ على هذه المسافة الواحدة من الجميع المتداخلين بعضهم في بعض، من الولايات المتحدة إلى إيران
مروراً بالسعودية وايران وحزب الله والمستقبل بينهما؟ كيف يمكن التوافقي أن يبقى توافقياً؟ لا إجابة إلا هذه: بأن يمضي وقته متضرعاً إلى السماء ألا تضطره إلى
اتخاذ موقف ما في أزمة ما. فإذا وصل لبنان إلى لحظة أخرى فاصلة من تاريخه، وقف رئيسه مُربكاً، لا يدري ماذا يفعل ولا ماذا يقول، اللهم إلا التفكير في كيفية
تجنب الخسائر السياسية الشخصية، في أسوأ التقديرات، أو حصد الارباح، في أفضلها.. أو بقاء الوضع على ما هو عليه: الرئيس في القصر ويعزو قلة الحيلة إلى قلة الصلاحيات
والامكانات. يسافر. يعود. يسافر. يعود. وكلّما أحس بالخطر من أنه يجب أن يأخذ موقفاً ما، ضد طرفي الصراع، للتاريخ، للحفاظ على ماء الوجه هزّ الرئيس معصميه مرتاحاً
إلى سواري التوافق اللذين يكبلانهما. وهما قد يكونان سبباً إضافياً، أو وحيداً، للبقاء في القصر وقتاً زائداً إذا زُف ذاك الموعد المكروه، لكن غير المحتم، بانتهاء
الولاية.
في اليومين الفائتين كان الرئيس أمام امتحان آخر. فعل ما يفعله دائماً: ارتبك قليلاً ثم قرر ألا يخطئ. هكذا، لم يفعل شيئاً. وهذا أقصى ما وصلت إليه حكمة التوافقي.
تابع الجلوس في كرسيه، مردداً في وجه الفاعلين، المتصارعين، على أنواعهم: بالتوفيق. بالتوفيق.
السفير 13 كانون الثاني 2011

No comments:

Post a Comment