اللغز السعودي والخطيئة الـحريرية
الرئيس السوري خلال حملة تشجير غربي دمشق (رويترز)
هناك لغز وخطيئة يحيطان بما جرى في الأيام القليلة الماضية، ففي اللغز يسأل أحد الملاصقين للملّف السعودي في لبنان عما يمكن أن يدفع المملكة إلى اتخاذ الموقف الذي اتخذته. أما الخطيئة التي ارتكبها سعد الحريري فهي أنّه قرر التزام الخيار الأميركي ووضع واشنطن في مواجهة دمشق
فداء عيتاني
لم يكن هناك عبارة أحب إلى قلب رئيس الجمهورية السورية بشار الأسد، من تلك التي سمعها من الأمير عبد العزيز بن عبد الله منذ أيام، حين اتصل به وأبلغه اعتذار والده عن متابعة مسار التسوية حتى النهاية بعد قرار الرئيس الأميركي عدم تغطية هذا المسار لحل الأزمة اللبنانية. حينها قال الأمير عبد العزيز للأسد إن المملكة قرّرت وقف التدخل في الملف اللبناني، وهي ترجو الرئيس السوري الحذو حذوها وترك اللبنانيين ليجدوا حلّاً بأنفسهم.
ليس مرد سرور الرئيس السوري هو تخلّصه من همّ لبناني إضافي، ولا ثقته بإمكان اللبنانيين إيجاد مسار محلّي للحل، ولا بانسحاب المملكة من التفاوض، بل من الطلب إليه ترك القوى اللبنانية لتجد حلّاً، يعلم هو علم اليقين استحالته في ظل موازين القوى المحلية والإقليمية، والتدخل الأميركي في لبنان.
ومن عِبر التاريخ التي يحفظها الرئيس السوري، كما كان والده يردّدها على مسامع زواره، أنّ القوى الإقليمية والدولية ستعود الى الطلب من سوريا التدخل لحماية اللبنانيين بعضهم من بعض، ولو اقتضى الأمر تقبيل أيادي المسؤولين السوريين ومنحهم نفوذاً أكبر مما يحلمون به في بلاد الأرز، وعندها، تماماً كما حصل عام 1990، تمسك سوريا بالملف اللبناني من «خناقه»، مع حفظ أدوار متفرقة لنفوذ عربي هنا وغربي هناك.
هناك لغز وخطيئة يحيطان بما جرى في الأيام القليلة الماضية، ففي اللغز يسأل أحد الملاصقين للملف السعودي في لبنان عما يمكن أن يدفع المملكة، بشخص الأمير عبد العزيز ووالده الملك عبد الله، الى اتخاذ الموقف الذي اتخذاه، وحتى لو كان الموقف السعودي في النهاية الى جانب الأميركيين، وغير قادر على الخروج من المعطى الأكبر للمعادلة، فكيف يمكن أن يبلغ الملك اعتذاره لسوريا، وينهي المسار التفاوضي حول لبنان بهذه الطريقة، ويضيف الى الفشل السعودي في فلسطين والعراق، فشلاً آخر في لبنان، ويعلن وقف التدخل في مسار الأمور، بل يطلب من الأسد موقفاً مماثلاً؟.
وبحسب من يتابعون المواقف السعودية، ويعرفون مداخل المملكة وشعابها، فإن من المنطقي بالنسبة إلى الرياض ورجالاتها أن يعلنوا تعقّد الأمور، وأن يشيروا الى تعثّر ما، وأن يطلبوا المزيد من الوقت، وترك الأمور معلّقة، عل وعسى تحل، وكان بإمكان الملك السعودي أن يخاطب الرئيس السوري بعباراته الودية من قبيل «أنت ولدنا ولن نتخلى عن التعاون معك بل سنستمر في إيجاد مخارج واقتراحات اضافية مهما كانت الظروف» وحتى لو لم تجد الأزمة حلّاً لها، فعلى الأقل فإن مواقف مشابهة لن تستدرج سوريا، وتاليا المعارضة في لبنان، الى اتخاذ خطوات قاسية ضد سعد الحريري والموقف السعودي في البلاد.
ويمتد اللغز ليشمل لقاءات عقدها سعد الحريري في واشنطن، حين زار نيويورك نهاية العام الماضي، وتبيّن أن الملك لا يزال متعباً بعد عمليتين جراحيتين خضع لهما، وأن الأمير عبد العزيز كان يعاني زكاماً حادّاً لم يمكنه من لقاء الحريري، فتوجّه الأخير نحو واشنطن، والتقى هناك ببعض الموظفين في الإدارة الأميركية، ثم مع بداية هذا العام، وعلى هامش لقاء الحريري بالأمير الوليد بن طلال في الرياض، عرّج للقاء الأمير بندر بن سلطان، الذي يفترض أنه مرّ بأوقات عصيبة في المملكة، وقد وضع قيد الإقامة الجبرية قبل أن يستعيد بعضاً من دوره في بلاد خادم الحرمين.
هذا اللغز المتعلق بالسماح لسعد الحريري بهذا الهامش الواسع من المناورة والخروج من الدائرة الملكية في السعودية نحو الدائرة اليمينية المتطرفة في الإدارة الأميركية وفي المملكة، لا يستطيع أحد في بيروت من المطلعين على شؤون السعودية الإجابة عنه.
وبعض هؤلاء يبدون قلقهم من تحويل الأزمة في لبنان إلى الأسلوب السوداني، بعدما أشارت إلى أن المسار الذي سلكه السودان ليصل إلى التقسيم هو نفسه المسار الذي يسلكه لبنان حالياً، من المحكمة الدولية الى تقاسم الطوائف والفئات للنفوذ السياسي والاقتصادي، وصولاً إلى النزاعات الأهلية الحادة.. لكن، في حال تقسيم لبنان فإن الدولة التالية التي ستقف في الصف بانتظار دورها في التقسيم هي المملكة لا دولة أخرى.
أما الخطيئة التي ارتكبها سعد الحريري وأدّت الى استخدام الفقرة باء من البند 69 من الدستور اللبناني المتعلقة باستقالة الحكومة عبر استقالة أكثر من نصف وزرائها، وللمرة الأولى في التاريخ اللبناني، فهي أنه قرر التزام الخيار الأميركي كلياً ووضع الولايات المتحدة في مواجهة دمشق.
وكان آخر شخص في لبنان قد تجرأ على فعل أمر مماثل هو الرئيس امين الجميّل عام 1982 وما تلاه، ثم أمضى الأعوام الاخيرة من رئاسته في محاولة التكفير عن خطئه أمام الرئيس السوري حينها حافظ الأسد، الذي لم يصافح ولم يسامح، وانتهى الأمر بأمين الجميّل منفيّاً في باريس لأكثر من عقد من الزمن.
وقبل سعد الحريري كان اتهام رفيق الحريري بالتزام الخيار الأميركي في لبنان كافياً لبدء الحملة عليه، ومع اتهامه لاحقاً بالمشاركة في صياغة القرار 1559، ودعمه، بدأت حملة تهميشه وإقصائه عن الحياة السياسية بنحو فعال عام 2004، وصولاً إلى مأساة الاغتيال، التي لم تكن غير استنتاج بديهي بأن مشروع رفيق الحريري في لبنان قد انتهى وبدأ مشروع إنهاء حزب الله والوجود السوري في لبنان.
لكن رفيق الحريري في ظل سطوته لم يرتكب خطيئة التحرك بعيداً عن دمشق، بل كان حريصاً بعد زياراته الخارجية، ولا سيما للغرب، على أن يعرّج على دمشق فور عودته لوضع المسؤولين السوريين في صورة جولاته، وأحيانا كان يزور دمشق مرتين، واحدة قبل البدء بالزيارات الخارجية وأخرى بعد العودة منها.
إلّا أن الحريري، بعد ارتكابه المعصية ـــــ الخطيئة، التي بدأت معها المعارضة تؤكد أن لا عودة له إلى الحكم مرة أخرى، قرر لقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما، ومن مكان ما في بيروت، كان أحد المتابعين الحثيثين واللاعبين الكبار في ملف رئاسة الحكومة يقول حين يشاهد صورة الحريري وأوباما «هذه الصورة ستكلّف رئيس الحكومة الكثير الكثير».
وطبعاً، ما دفعه الحريري من دخوله رئيس حكومة للقاء أوباما وخروجه رئيس حكومة تصريف أعمال ليس إلّا جزءاً من الثمن الذي سيدفعه، والجزء الآخر سيدفعه معه كل اللاعبين السنّة في لبنان، من سياسيين ومواقع قوى، حيث سيكون هناك المزيد من التهميش لدور رئيس الحكومة السني، والمزيد من تبعيته الى مفاصل طائفية أخرى، ولو كان سعد الحريري قدم الى رئيس الجمهورية مجاناً نصف رئاسة مجلس الوزراء، وامتنع عن عقد جلسات بغيابه، إذ أشركه في وضع جدول الأعمال وتركه يدير الحكومة خلال فترة ترؤسه لها، فإن موقع الطائفة في النظام اللبناني سيشهد المزيد من التراجع في المرحلة المقبلة، مما سيزيد الإحساس بالغبن والظلم لدى أبناء الطائفة، وهنا بإمكان الحريري أن يراهن على تعبئة مجانية للشارع السني تساعده فيها قوى المعارضة بأخطائها وهفواتها الكثيرة.
من هذا الباب كان يمكن سماع أصوات متعددة لدى قياديين من السنة، من الصف الأول، ومن غير المصنفين ضمن قوى المعارضة السنية، بل من القريبين من تيار المستقبل، يرددون أمس «ألا لا ردّك الله رئيساً للحكومة» مع شعور بأنه هُمّشوا ووضعوا على سكة علاقات مع الولايات المتحدة لا يتحملها أحد.
وربما فقط لضمان حقد سوري ومعارض كامل لسعد الحريري، قرر الرئيس الحريري يوم الثلاثاء الماضي الاتصال بسمير جعجع، وأبلغه بما حرفيته «ما دامت المعارضة تخوض المعركة من منزل ميشال عون (في إشارة الى اجتماع المعارضة في الرابية) فنحن سنخوض المعركة من منزلك في معراب».
يبقى الأمل الوحيد لدى سعد الحريري لاستنهاض شعبيته هو ارتكابات المعارضة وسياساتها القاصرة التي أنقذته أكثر من مرة في السابق.
العدد ١٣١٤ الجمعة ١٤ كانون الثاني ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment