Sunday, July 4, 2010

لماذا يرتاب الجنوبيّون من اليونيفيل؟

يحيى دبوق
من ضمن سلسلة ردود الفعل على «الحوادث» المتنقّلة جنوباً، بين القوات الدولية والأهالي، أعربت فرنسا، يوم الجمعة الماضي، عن «عدم تفهّمها وقلقها حيال احتجاجات
سكان في جنوب لبنان، على مناورة لقوة الطوارئ الدولية». وقال المتحدث باسم الخارجية الفرنسية، برنار فاليرو، «بدت ردود الفعل عنيفة أحياناً، وهذه الأحداث تثير
عدم تفهّمنا وقلقنا»، أضاف «يزداد عدم فهمنا للمسألة، نظراً إلى إنجاز العسكريين الفرنسيين مهمّات إزالة ألغام وتقديم مساعدات طبيّة مجانيّة ودعم الزراعة المحلية».
الحديث الفرنسي يوجب طرح السؤال الآتي: هل تقديم الأدوية والعمل على إزالة الألغام، وأيضاً دعم الزراعة، وكل هذا «الإحسان المجّاني الكبير»، يجب أن يلغي قدرة
الجنوبيّين على الرؤية والربط والتحليل حيال ما تقوم به اليونيفيل من أفعال، قد تكون كافية بذاتها، لتثير الشبهة لديهم، وتحديداً المناورة الأخيرة المخالفة
لإرادة الجيش اللبناني وتوجيهاته؟
يجب الإشارة إلى أنّ الجنوبيّين ليسوا جهة محايدة بين المقاومة وإسرائيل، وهم لا يخفون تأييدهم ومساندتهم لها. وإذا كان الجنوبي يخبر عن أبيه أو ابنه أو أخيه
إذا تلمّس أنه يعمل لمصلحة العدو، فبالتأكيد لن يرحم أيّ جهة تقدِم على ما من شأنه الإضرار بالمقاومة، أو من يظهر أنه كذلك. يحترم الجنوبيون الخوذة الزرقاء
إن لم تضرّ بمصالحهم، وإلا فلا، وهذه طبيعة إنسانية لا يمكن إغفالها. والتحركات الميدانية الأخيرة لقوات اليونيفيل، وبالشكل والمضمون اللذين تجري بهما، تثير
لدى الجنوبيين الريبة، التي تثار تجاه أيّ جهة تقدِم على البحث والتحرّي والاستخبار عن المقاومين وأماكن وجودهم وهويّاتهم، أو أيّ جهة تصوّر منازل الجنوبيين
ودُورهم، وتدخل إلى القرى بلا تفويض. كذلك تثير الخشية مناورة انتشار واسعة النطاق تتضمّن نشر حواجز على الطرق، ونقاط مراقبة على المرتفعات المشرفة على القرى.
وإذا اراد البعض أن يبحث في الأسباب المباشرة للمواجهات، فسيؤدي ذلك إلى تقزيم المسائل وحصرها في مكانها، كأنها حوادث مستقلة ومعزولة بلا رابط بينها، وكأنّ
البيئة الملتبسة للأفعال في الجنوب لا تحرّكها. وكي تكون الإجابة واضحة على «الاستهجان» حيال «احتجاجات السكان»، يجب الإشارة إلى الآتي:
من الصعب إقناع الجنوبيين بأنّ قوات طوارئ، بدون ال التعريف، هي التي تمنع الاعتداءات الإسرائيلية، إذا قررت تل أبيب المجازفة بمواجهة عسكرية مع لبنان. ومن
الصعب إقناعهم بقدرة هذه القوات على منع خروق إسرائيل، أو خطف مواطن لبناني والتنكيل به. ومن الصعب أيضاً إقناعهم بأنّ توجهات هذه القوة، الدولية، والمنتمية
في الواقع إلى دول تسعى إلى أداء دور في المنطقة من البوابة الجنوبية، هي توجّهات مبنية على مبادئ العدل والإنصاف والحياد بين طرفي الحدود. هذه هي الحقيقة التي
لا تحتاج إلى جهود كثيرة لإثباتها، بل يمكن تلمّسها بسهولة لدى الجنوبيين، بمجرد الاستماع إلى هواجسهم.
لدى الجنوبيين أسئلة ريبة في ما يتعلق بالمناورة الأخيرة لليونيفيل: كيف تقدم قوات اليونيفيل على إجراء مناورة واسعة النطاق، وغير مسبوقة، دون موافقة من الجيش
اللبناني، وتكتفي بإعلامه بها، بعدما جرى تأجيلها مرات عدة؟ ما الذي تعنيه محاكاة المناورة لـ«احتمال شنّ هجوم صاروخي من لبنان باتجاه الأراضي الإسرائيلية،
والتصدي لأعمال شغب محلي»؟ ما هو الرابط بين الشغب المحلي والصواريخ المطلقة باتجاه إسرائيل؟ ما الذي يدفع القوات الدولية إلى رفض طلب الجيش اللبناني، بأن يكون
عنوان المناورة «حماية المدنيين في حال تعرّض الجنوب لاعتداء إسرائيلي»؟
رغم أسئلة الريبة، يبرز التساؤل الآتي: متى يفقد الجنوبيّون الثقة بالقوّات الدولية؟ المسألة مرتبطة بنجاح محاولات البعض في تغيير قواعد الاشتباك، أي الخروج
عن التفويض الموكل إليها بموجب القرار 1701. ولعلّ معيار بقاء الثقة قائماً هو أن تكفّ القوة الدولية عن تجاوز نطاق صلاحيتها، وأن تكون أفعالها منسجمة مع ما
يحدّده الجيش اللبناني دون غيره من الأطراف ذات المصلحة، وخصوصاً أنّ المهمة الأساسية للقوات الدولية هي مساندة الجيش ومؤازرته، إن طلب ذلك.
أخيراً، لا بد من الإشادة بالتحرك السريع والفاعل للجيش اللبناني، الذي مكّن من احتواء المواجهات وحصرها في أماكنها وحال دون تفاقمها، إذ ليس في مصلحة أحد،
لا الجيش ولا المقاومة ولا الأهالي، وبالتأكيد لا مصلحة للقوات الدولية، في أن تتطور المسائل إلى مواجهات تنتشر على نطاق واسع، وإن وصلت الأمور إلى حدود ما
يشبه الانتفاضة، فسيصعب على الجميع احتواؤها.

عدد الاثنين ٥ تموز ٢٠١٠
الاخبار
--------------------------------------------------------------------------------

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/196668

No comments:

Post a Comment