Thursday, July 15, 2010

إشكالية حكم المحكمة الإدارية العليا في مصر
رقابة إدارية أم تقليص لاختصاص الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في قضايا الأحوال الشخصية ؟
أولا: مقدمة لا بد منها:
عالجت الندوات التي دعا اليها قسم التربية في مجلس كنائس الشرق الاوسط في مطلع التسعينات من القرن الماضي، والتي شارك فيها اخصائيون في قوانين الاحوال الشخصية من لبنان وسوريا والاردن ومصر، المواضيع التي تهم المسيحيين في الدول العربية على صعيد قوانين احوالهم الشخصية.
شارك في هذه الندوات رجال قانون اقباط، اكليركيون وعلمانيون تناولوا اشكالية تطبيق قوانين الاحوال الشخصية على المسيحيين في جمهورية مصر، استرعت التجربة المصرية اهتمامي واصبحت متابعا لما يصدر من دراسات واحكام اجتهادية في مواضيع الاحوال الشخصية في هذا البلد. من هنا كان الدافع الى اعداد هذه الدراسة.
لمن يهمه الاطلاع صدرت وقائع الندوات المتخصصة في كتابين: الاول بعنوان انظمة الاحوال الشخصية: الاصالة والتحديث والثاني بحوث وخبرات في قوانين العائلة من منشورات قسم التربية في مجلس كنائس الشرق الاوسط.
ثانيا: في إلغاء المحاكم الملّية والشرعية ونقل صلاحياتها الى القضاء المدني – تفسير متباين لمفهوم الشريعة
- بتاريخ 24/12/1955 صدر القانون الرقم 462 في عهد المغفور له الرئيس جمال عبد الناصر قضى في مادته الاولى "بإلغاء المحاكم الشرعية والملّية واحال الدعاوى العالقة امامها على المحاكم الوطنية لاستمرار النظر فيها وفقا لاحكام قانون المرافعات".
- اوجبت المادة السادسة من القانون المذكور على القضاء المدني تطبيق الشريعة عن المتقاضين من المسيحيين شرط ان يكونوا متحدين بالطائفة والملة.
لا يزال الاقباط الارثوذكس في مصر خاضعين لنصوص لائحة الاحوال الشخصية تاريخ 8/7/1938 تطبقها المحاكم المدنية (الغرف الناظرة في قضايا الاحوال الشخصية) على النزاعات العائلية استنادا لاحكام المادة السادسة من القانون 462 حيث جاء:
"تصدر الاحكام في المنازعات المتعلقة بالاحوال الشخصية والوقف التي كانت اصلا من اختصاص المحاكم الشرعية طبقا لما هو مقرر في المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم المذكورة. اما بالنسبة للمنازعات المتعلقة بالاحوال الشخصية للمصريين غير المسلمين والمتحدى الطائفة والملة الذي لهم جهات قضائية ملية منظمة وقت صدور هذا القانون فتصدر الاحكام – في نطاق النظام طبقا لشريعتهم".
- اللافت ان المادة المذكورة اشترطت اتحاد الزوجين في الطائفة والملة ليصار الى تطبيق "احكام الشريعة" على اي نزاع ينشأ بينهما.
اعفت المادة السابعة من القانون 462 المحكمة المدنية من تطبيق احكام الشريعة على الزوجين في حال عدم اتحادهما طائفة وملة، بحيث يصار في هذه الحال الى تطبيق احكام الشريعة الاسلامية على النزاع العالق بين الزوجين، حتى اذا انتمى احدهما الى الاسلام اثناء السير في الدعوى.
- اثر صدور القانون 462 رفع رؤساء الكنائس المسيحية في مصر مذكرة الى رئيس مجلس قيادة الثورة آنذاك الرئيس جمال عبد الناصر اعربوا فيها عن احتجاجهم على ما جاء في هذا القانون واليكم بعض ما ورد فيها:
"لا شك ان لتوحيد جهات القضاء من قبل الحكومة غاية حميدة هي المساواة بين المواطنين جميعا امام القانون وطمأنة المتقاضين جميعا على حريتهم الدينية وحقوقهم المشروعة.
لكننا نريد أن نثبت لسيادتكم ان التشريع الجديد للاحوال الشخصية لا يحقق هذه الغايات بل يهدم بكيفية منظمة المساواة التي تنشدها الثورة منذ قيامها ويهدر حقوق الطوائف بل يهدد كيان المسيحية ويصيغ في صيغة قانون فوضى التحايل على الاديان التي كنا نشكو منها في جميع العهود السالفة".
- شددت المذكرة ايضا على غياب المساواة بين المواطنين المصريين:
"اين هي المساواة بين المواطنين في هذا التشريع الجديد والمادة السابعة منه تنص على ان تغيير الملة او الطائفة في اثناء سير الدعوى لا يؤثر في تطبيق شريعة العقد الا اذا كان التغيير الى الاسلام وحده دون غيره؟؟
أين هي المساواة بين المواطنين في هذا التشريع، وهو يخول القضاة المسلمين، من مدنيين وشرعيين (اي رجال الدين المسلمين) حق الحلول محل رجال الدين المسيحيين في محاكمة الزوجين المسيحيين وفق الشريعة المسيحية في بعض الحالات والشريعة الاسلامية في اكثر الاحوال؟؟
اين المساواة بين المواطنين في التشريع الجديد وقد جعل دين الاكثرية وسيلة رخيصة تستغل لاغراض شخصية لا تمت الى الدين بصلة. ففتح باب الاسلام على مصراعيه امام المسيحيين ودفعهم اليه دفعا لينالوا في ظل الشريعة الاسلامية ما لم ينالوه في ظل شريعتهم المسيحية لان التشريع المسيحي للزواج يختلف عن التشريع الاسلامي من حيث عقده وحله ومقدماته وغاياته".
- لم يلقَ احتجاج القيادات الروحية المسيحية اذنا صاغية، وتوالت الاحكام والاجتهادات في قضايا الاحوال الشخصية المعروضة امام القضاء المدني التي تخص المسيحيين، واكثريتهم من الاقباط الارثوذكس، لجهة النصوص الواجبة التطبيق على النزاع العائلي وتفسير مفهوم تعبير "الشريعة" وقد استقر اجتهاد محكمة النقض في مصر على رأي شبه ثابت يفيد:
"تضفي الفقرة الثانية من المادة السادسة من القانون الرقم 462 للسنة 1955 بالغاء المحاكم الشرعية والملية على انه "اما بالنسبة للمنازعات المتعلقة بالاحوال الشخصية للمصريين غير المسلمين والمتحدى الطائفة والملة الذين لهم جهات قضائية ملية منظمة وقت صدور هذا القانون، فتصدر الاحكام في نطاق النظام العام "طبقا لشريعتهم". ولفظ "شريعتهم" التي تصدر الاحكام طبقا لها – هو لفظ عام، لا يقتصر مدلوله على ما جاء في الكتب السماوية وحدها، بل ينصرف الى كل ما كانت تطبقه جهات القضاء الملي قبل الغائها باعتبارها شريعة نافذة، اذ لم يكن في ميسور المشرع حين الغى هذه الجهات ان يضع القواعد الواجبة التطبيق في مسائل الاحوال الشخصية لغير المسلمين، فاكتفى بتوحيد جهات القضاء، تاركا الوضع على ما كان عليه بالنسبة للاحكام الموضوعية التي يتعين على المحاكم تطبيقها واحال الى الشريعة التي كانت تطبق في تلك المسائل امام جهات القضاء الملي، ولم تكن هذه الشريعة التي جرى العمل على تطبيقها تقتصر على ما جاء في الكتب السماوية" (نقض احوال شخصية جلسة 6/6/1973 طعن رقم 2 سنة 42 قضائية مجموعة الاحكام 24 ص. 87 السنة 27 ص. 302 ونقض مدني جلسة 4/12/1980، طعن رقم 4 سنة 48 ق أحوال شخصية).
ازاء توسع القضاء في تفسير مفهوم "الشريعة" وتفاديا لاستمرار تطبيق احكام المادة السابعة من القانون 462 في حال عدم اتحاد الزوجين بالطائفة والملة، اعدت الطوائف الثلاث المسيحية في مصر: الارثوذكسية والكاثوليكية والانجيلية مشروع قانون موحد للاحوال الشخصية أقرته خلال اجتماع لمندوبي هذه الطوائف عقد في مقر بطريركية الاقباط الارثوذكس برئاسة قداسة البابا شنوده الثالث وذلك بتاريخ 16/6/1978 على ان تطبق احكام هذا المشروع على المسيحيين المصريين المنتمين الى الطوائف الثلاث المذكورة.
- حسمت المادة 143 من مشروع القانون موضوع اختلاف الطائفة والملة بين الزوجين "بحيث يبقى عقد الزواج ونتائجه من اختصاص السلطة التي تمت المراسيم الدينية وفقا لطقوسها "ولا يعتد بتغيير احد الزوجين لطائفته او ملته او ديانته اثناء قيام الزوجية".
- رفع مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين المصريين الى وزارة العدل ولم يصر حتى تاريخه الى مناقشته واقراره وفقاً للأصول الدستورية ما يساهم في استمرار التوسع في تفسير مفهوم الشريعة الواجبة التطبيق في نزاعات الأحوال الشخصية.
عن مفهوم تطبيق الشريعة أرى من المفيد الاشارة الى حكمين استئنافيين، الأول صادر عن محكمة استئناف أسيوط قضى بتثبيت الحكم الابتدائي معتبراً ان مفهوم الشريعة يعتمد على تعاليم الانجيل المقدس جاء في بعض حيثياته:
"من حيث أن بعض المجتهدين من رجال الدين المسيحي قالوا بإباحة التطليق اذا ما توافرت أسباب أخرى مثل النفور المستحكم والفرقة الدائمة وما الى ذلك، وسايرت بعض المجالس الملية هؤلاء المجتهدين في ما ذهبوا اليه وأرست احكامها على هدى آرائهم. وغنيّ عن البيان ان معتنقي هذه الآراء قد برّروها بقولهم ان تطور المدنية قد اقتضاها، ولكن هذا التبرير ادى الى خلق حكم جديد يتجافى مع صريح النص الوارد بالانجيل ويدّعي ان الشرائع السماوية لا تساير المدنية ولا يرد عليها التبديل او التعديل".
"ومن حيث ان ما تقدم يؤدي الى نتيجة لازمة قوامها انه متى ثبت ان الانجيل، وهو دستور المسيحيين، قد أتى بنص صريح يحكم الزواج والطلاق فانه بذلك يتعين تطبيقه، ويمتنع الأخذ بآراء المجتهدين التي تتنافى مع النص الواجب التطبيق، والتي لم ترق الى مرتبة التشريع، بل ان الأخذ بها مخالفة صريحة لأحكام المادة السادسة من القانون 462 سنة 1955 والمادة الأولى من القانون المدني".
الحكم الثاني صادر عن محكمة استئناف الاسكندرية، جاء في بعض حيثياته:
"إن أحكام المسيحية مدونة في الانجيل المقدس وقد حرم فيها الطلاق تحريماً بتاتاً ولم يجزه إلا لعلة الزنا".
إن الزوجين في رابطة الزوجية يكونان جسداً واحداً، اذ ليس بعد اثنين بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرّقه انسان، ومن طلق امرأته وتزوج بأخرى يزني عليها، وان طلقت امرأة زوجها وتزوجت بآخر تزني (...)، فليتمسك الرجل بامرأته ولتتمسك المرأة بزوجها ولا تفترق المرأة عن زوجها فإن آثرت ان تفترق فلتقم بغير زوج او لتصالح زوجها والرجل ليس له ان يطلق امرأته".
وينتهي الحكم الى اعتماد المبدأ الآتي:
"إن قانون الأحوال الشخصية الذي يستند اليه المستأنف في دعواه وهو القانون الذي وضعه المجتمع المقدّس والمجلس الملي العام للأقباط الارثوذكس ولم تصدق عليه الحكومة وقد تضمن اسباباً للطلاق لم ترد تصريحاً ولا تلميحاً في الانجيل المقدس الذي هو سند المسيحيين الوحيد في تنظيم احكام رابطة الزوجية ولم يجزها الرؤساء الروحيين إلا لما يعتبرونه من ان لهم السلطان في حل اي رابطة تمت على أيديهم، ومنها الرابطة الزوجية حتى انهم كانوا لا يقرّون أحكام المجالس المليّة الصادر بالطلاق إلا إذا كانوا مشتركين في اصدار هذه الأحكام.
وإن المحكمة وقد أنيط بها تطبيق احكام شريعة الطرفين وهي أحكام الشريعة المسيحية القاطعة في أن الطلاق غير جائز إلا لعلة الزنا، ولا تستطيع مسايرة المستأنف في ما يطلبه من طلاق يستند فيه الى الفرقة التي سعى الى اطالتها لأسباب واهية وهي سبب لا يمت الى الزنى بصلة".
- يُستفاد من نصوص هذين الحكمين تقيّد القضاء المصري بمفهوم الشريعة المسند الى تعاليم الانجيل المقدس، لكن بعض الأحكام توسعت في تفسير مفهوم الشريعة في شكل يتنافى وتعاليم الانجيل والقوانين النافذة ما كان يثير اعتراض ولا يزال المسؤولين في الكنيسة القبطية.
ثانياً: في مواقف السلطة القبطية الارثوذكسية الواضح والحاسم لجهة عدم جواز التوسّع في مفهوم الطلاق وحصر التصريح بالزواج بالدائرة الدينية المختصة وحدها:
حدّدت لائحة الاحوال الشخصية للاقباط الارثوذكس الصادرة السنة 1938 اسباب الطلاق بالآتي:
"1 – زنا احد الزوجين.
2 – اعتناق احد الزوجين ديناً غير المسيحية.
3 – الحكم على احد الزوجين بعقوبة الاشغال الشاقة او السجن لمدة تزيد على سبع سنوات.
4 – غيبة احد الزوجين سبع سنوات متوالية بحيث لا يعلم مقرّه وحياته من عدمها.
5 – اذا اعتاد احد الزوجين الاعتداء على الآخر اعتداء يجعل حياته او صحته في خطر ولم تنفع فيه الارشادات الدينية.
وفي العام 1955 وبعد صدور القانون 462 تقدم المجلس الملي للاقباط الارثوذكس بلائحة سميت مجموعة 1955 حصرت فيها اسباب التطليق في ما يأتي:
"1 – يجوز لكل من الزوجين ان يطلب الطلاق لعلة الزنا.
2 – يفسخ الزواج اذا خرج احد الزوجين عن الدين المسيحي.
3 – اذا غاب احد الزوجين خمس سنوات متوالية بحيث لا يعلم مقرّ ولا تعلم حياته من وفاته وصدر حكم باثبات غيبته جاز للزوج الآخر ان يطلب الطلاق.
4 – الحكم على احد الزوجين بعقوبة الاشغال الشاقة او السجن او الحبس لمدة سبع سنوات فأكثر يسوغ للزوج الآخر طلب الطلاق.
5 – اذا اصيب احد الزوجين بجنون مطبق يجوز للزوج الآخر ان يطلب الطلاق اذا كان قد مضى خمس سنوات على الجنون وثبت انه غير قابل للشفاء، ويجوز ايضاً للزوجة ان تطلب الطلاق اذا اصيب زوجها بمرض العنة وثبت انه غير قابل للشفاء وكانت الزوجة في سن يخشى عليها فيه من الفتنة ولم يكن قد مضى على الزواج خمس سنوات.
6 – اذا اعتدى احد الزوجين على حياة الآخر او اعتاد ايذاءه ايذاءً جسيماً يُعرّض صحته للخطر جاز للزوج المجني عليه ان يطلب الطلاق".
- أولى قداسة البابا شنوده الثالث بطريرك الاقباط الارثوذكس منذ توليه كرسي الكرازة المرقسية في 14/11/1971 عناية خاصة لموضوع "الطلاق" وكانت له ولا تزال الكثير من المؤلفات والمحاضرات والمواقف والقرارات البابوية، أرسى من خلالها الأسس القانونية لموضوع الاحوال الشخصية التي يجب على الاقباط الارثوذكس التقيد بها لانها تشكل جزءاً من العقيدة المسيحية لا يجوز المس بها او تجاوزها مهما كانت الاسباب والمبررات والاعتبارات.
ارى من المفيد الاشارة الى قرارين صادرين عن قداسة البابا شنوده الثالث يوضح في متنها موقف الكنيسة القبطية الارثوذكسية من موضوع الطلاق الا لعلة الزنا:
قرار بابوي رقم 7 تاريخ 18/11/1971 بخصوص التطليق لسبب واحد هو الزنا:
1 – عملاً بوصية الرب في الانجيل المقدس، لا يجوز التطليق الا لعلة الزنا، فقد ورد فيها تعليم السيد المسيح له المجد في عظته على الجبل، قوله:
"واما انا فأقول لكم ان من طلّق امرأته الا لعلة الزنا يجعلها تزني" (متى 22:5) وقد كرر الرب هذه الوصية في اجابته على الفريسيين اذ قال لهم:
"اقول لكم ان من طلّق امرأته الا بسبب الزنا وتزوّج بأخرى يزني" (متى 11:19) "من طلّق امرأته وتزوّج بأخرى يزني عليها" (مرقس 11:10).
2 – كل طلاق يُحدث لغير هذه العلة الواحدة لا تعتبر به الكنيسة المقدسة وتعتبر ان الزواج – الذي حاول هذا الطلاق ان يفصمه – ما يزال قائماً.
- وقد ارسى المجلس الاكليريكي للطائفة القبطية الارثوذكسية، وهو المعني الوحيد بتفسير المسائل التي تطرح امامه، قواعد اثبات فعل الزنا منها وقائع وقرائن تشكل مجتمعة دليلاً على قيام هذا الفعل.
- بذات تاريخ القرار البابوي الرقم 7 اي في 18/11/1971 اصدر قداسة البابا شنوده الثالث القرار الرقم 8 الخاص بعدم زواج المطلقات:
"لا يجوز زواج المطلقة عملا بوصية السيد المسيح له المجد في الانجيل المقدس، اذ قال في عظته على الجبل "من يتزوج مطلقة فانه يزني". (متى 5: 32). وكرر هذه الوصية نفسها في حديثه مع الفريسيين اذ قال "والذي يتزوج بمطلقة يزني" (متى 19: 9). وقد ورد في الانجيل للقديس لوقا قول الرب ايضا "وكل من يتزوج بمطلقة من رجل يزني". (لو 16: 18). وورد في الانجيل للقديس مرقس "وان طلقت امرأة زوجها وتزوجت بآخر تزني" (مرقس 10: 12).
والمرأة المطلقة اما انها طلقت لسبب زناها، او لسبب آخر غير الزنا. فان كانت قد طلقت بسبب زناها فان الانجيل المقدس لا يسمح لها بالزواج مرة ثانية بحسب النصوص المقدسة التي اوردناها، اذ ان هذه المرأة لا يمكن ان تؤتمن على زواج جديد".
اما ان كانت قد طلقت لسبب غير الزنا، فان هذا الطلاق يعتبر باطلا بسبب وصية الرب في الانجيل ويكون الزواج الذي حاول الطلاق ان يفصمه لا يزال قائما، فان تزوجت تكون قد جمعت بين زوجين وتعتبر زانية وفق وصية الرب.
2 – اما ان حدث التطليق لسبب زنا الزوج، فان المرأة البريئة من حقها ان تتزوج، ويدخل في نطاق زنا الزوج، زواجه بامرأة اخرى بعد طلاق لغير علة الزنا لا تقره الكنيسة.
3 – لا يجوز لاي من رجال الكهنوت في كنيستنا ان يعقد زواجا لمطلقة. اما أن يرفضه او يعرض الامر علينا لتحويله الى المجلس الاكليريكي العام فينظر به المجلس الاعلى للاحوال الشخصية".
ثالثا: في طلبات التصريح بالزواج
ينحصر اختصاص المجلس الاكليريكي العام في النظر بطلبات تصريح الزواج ومدى تطابق الاحكام الصادرة عن المحاكم المدنية مع نصوص واحكام الكتاب المقدس الذي يحتوي على شريعة المسيحيين في ما يتعلق بـ"عقد الزواج".
- يستفاد من هذا النص ان الترخيص بعقد الزواج محصور بالسلطة الدينية وحدها وان الامر يختص بالعقيدة المسيحية التي لا يجوز المساس بها او تجاوزها. من هنا، كان الطعن الذي رفعه قداسة البابا شنوده الثالث امام المحكمة الادارية العليا.
رابعا: في رقابة المحكمة الادارية العليا (مجلس الدولة) على القرارات الكنسية طبيعة حجب التصريح بالزواج الثاني: عمل اداري عادي او تدخل في اختصاص مرجع كنسي يتعلق بسر الزواج المسيحي؟
نتيجة الطعن المقدم من قداسة البابا شنوده الثالث اصدرت المحكمة الادارية العليا في القاهرة حكما نهائيا بتاريخ 29/5/2010 قضى: "بقبول الطعن شكلا ورفضه موضوعا".
- اورد قداسة البابا شنوده الثالث في طعنه ان قرار المجلس الاكليريكي يصدر وفقا لسلطته الدينية ولا يخضع في قراراته سوى للرئاسة الدينية التي تبدي رأيها وفقا لنصوص الانجيل المقدس وتعاليمه، ما ينزع عن القضاء الاداري، وهنا مجلس الدولة، اختصاصه البت في الطعن المقدم من طالب الترخيص بالزواج ثانية.
- يتبين من حيثيات هذا الحكم ان المحكمة الادارية العليا اعتبرت قرار المجلس الاكليريكي للاقباط الارثوذكس في مصر، الذي يرأسه مقدم الطعن قداسة البابا شنوده الثالث، والقاضي برفض الترخيص بزواج ثانٍ عملا اداريا يخضع لرقابتها ولا يعتبر تدخلا من القضاء في المعتقد الديني:
جاء في حيثيات الحكم:
"ان الكنيسة الارثوذكسية تقوم وفق الاصل على رعاية الاقباط الارثوذكس كافة، وهي في سبيل ذلك خولها القانون السلطات اللازمة بموافقة الاقباط وحسن سيرها وتقديم الخدمات اللازمة لهم، وهذه المهمة هي من مهمات الدولة، ومن ثم فإن ما تمارسه الكنيسة في هذا الخصوص انما هو نشاط اداري دعت اليه اعتبارات الصالح العام وتغدو القرارات الصادرة عنها على هذا النحو قرارات ادارية تتعلق بتنفيذ القوانين، واللوائح تخضع لرقابة القضاء من حيث مدى مشروعيتها.
ولذلك فإن التصريح بالزواج ثانية كنسياً وفق ما ورد النص عليه في المادة 69 من لائحة الاقباط الأرثوذكس الصادرة السنة 1938 لا يعدو في حقيقته أن يكون قراراً إدارياً يخضع لرقابة القضاء الإداري ويدخل الاختصاص بطلب إلغائه في الاختصاص المعقود لذلك القضاء بمقتضى المادة (10) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون الرقم 47 للسنة 1972 ولا يمسّ المعتقد المسيحي ولا يتصادم مع أصل من أصوله، طالما استكمل شرائط صحته وضوابط نفاذه المعتقد المسيحي، ولا يتصادم مع أصل من أصوله لطالما استكمل شرائط صحته وضوابط نفاذه للتيقن من أن الرئيس الديني وهو يباشر اختصاصه في منع او منح التصريح المشار اليه لم يتجاوز سلطاته المنوطة به بموجب قواعد شريعة الارثوذكس، وهو ما لا يعد تدخلاً من القضاء في المعتقد الديني وإنما هو اعلاء له لتحقيق مقاصد تلك الشريعة من دون خروج عليها او تجاوز لها، الأمر الذي يغدو معه الدفع بعدم اختصاص محكمة القضاء الإدارية النظر بالدعوى محل الطعن لانتفاء ولايته أو لانتفاء القرار الإداري لا سند لهما من القانون يتعيّن طرحهما والالتفات عنهما".
كما اعتبر الحكم أيضاً أن حجب التصريح بالزواج الثاني يشكل مسّاً بحقوق المواطن المصري في تكوين الأسرة وهذا حق كفله الدستور.
"ومن حيث إنه عن موضوع المنازعة فإنه يتعين التقرير بداءة بأن التشريع المصري، وفي الصدارة منه، الدستور قد حرص على حماية الأسرة – بغض النظر عن العقيدة التي تدين بها – وأقرّ المشرع لكل مواطن حقه الدستوري في تكوين أسرته بما يتفق والعقيدة التي ينتمي إليها".
- لاحظ الحكم انه ليس للسلطة الكنسية حرمان طالب الترخيص مقدم الطعن أساساً بمنع زواجه الثاني إلا بعد التحقق من بعض الشروط والعناصر المطلوبة من أجل منح الترخيص بالزواج: "إن الكنيسة الارثوذكسية قد اعتدت بطلاق زوجة المطعون ضده وأجازت لها الزواج ثانية باعتبار ان العلاقة الزوجية بينهما قد انفصمت بطلاق بائن. فمن لا يسوغ لها من بعد حرمان الطاعن من الزواج ثانية كنسياً على اعتبار ان سند الأحكام القضائية الصادرة في تلك المنازعات ليست مستمدّة من الشرائع السماوية بصفة مباشرة وإنما ما اختاره المشرع منها من أحكام تشريعية صادرة عن جهات الاختصاص معبرة عن الضمير العام للمجتمع.
ومن ثم يكون امتناع الكنيسة عن التصريح للمطعون ضده بالزواج قد جاء مميزاً بين اصحاب المراكز المتماثلة على خلاف حكم القانون ومكوناً لقرار سلبي يتعين إلغاؤه ويقوم به ركن الجدية".
- أثار الحكم الصادر عن مجلس الدولة احتجاج المرجعية الدينية للأقباط الارثوذكس فانعقد المجمع المقدّس بصورة استثنائية برئاسة قداسة البابا شنوده الثالث واتخذ موقفاً متشدداً من الحكم معتبراً إياه تدخلاً في شؤون الكنيسة القبطية ومسّاً بالعقيدة المسيحية.
- كما اعتبر المجلس الملي العام للأقباط الارثوذكس في مصر في بيان صادر عنه بتاريخ 8/6/2010... "انه ترتيباً على ما تقدم ومع تأكيد تمسّكنا باستقلال القضاء واحترامنا لأحكامه إعمالاً لأحكام الدستور والقوانين المعمول بها في الدولة. نؤكد ان ممارسة سرّ الزواج كأحد أسرار الكنيسة هو من الأمور الدينية البحتة التي يتولاها رجال الكهنوت دون تدخل من أي جهات خارجية حيث أن إلزام رجال الكهنوت بمخالفة ذلك يُعد انتهاكاً صارخاً لأحكام الدستور بحماية حرية العقيدة".
برأيي:
1 – ان الحكم قلص اختصاص السلطة الكنسية القبطية الارثوذكسية وتدخل في شؤون تمسّ العقيدة المسيحية ومنها سرّ الزواج.
2 – إن قرار المجلس الاكليريكي القاضي بحجب الترخيص بالزواج الثاني ليس قراراً أو عملاً إدارياً يخضع للرقابة الإدارية من قبل القضاء المدني مهما علا اختصاصه، إنما قرار يتصل مباشرة بالتشريع والمعتقد المسيحي.
3 – تدخلت المحكمة الإدارية العليا في شؤون الطائفة الأرثوذكسية من خلال ممارسة الرقابة على سير العمل في المجلس الإكليريكي معتبرة ان قراره التمهيدي يعرقل منح الترخيص بالزواج الثاني.
4) ليس في حجب الترخيص او التريث في منحه مخالفة للنظام العام او الدستور المصري لجهة حرمان طالب الترخيص من تكوين أسرة، لأن الكنيسة المسيحية جمعاء تعتبر نفسها المسؤولة الوحيدة عن تطبيق أحكام وتعاليم العقيدة المسيحية وليس في طلبها الى المنتمين اليها تحقيق بعض الشروط او الالتزام بالشريعة أية مخالفة ادارية بل تدبير كنسي محفوظ البت به الى المرجعيات الدينية المختصة والمعترف لها باستقلاليتها ومنها تكوين مجالسها الملية والعمل وفق انظمتها الخاصة.
5) استقر اجتهاد محكمة النقض المصرية على ان صدور القانون 462 السنة 1955 الذي ألغى المحاكم الملية، لم ينتقص من سلطات الكنيسة وسلطات رجال الدين المسيحي الثابتة لهم بمقتضى سر الكهنوت.
6) لا يمكن لأي حكم قضائي مدني ان يلزم الكاهن المؤتمن على الاسرار المقدسة مخالفة ما هو ملزم بالمحافظة عليه، وهنا سر الزواج.
7) يمثل الحكم تحديا لجهود الكنيسة القبطية الارثوذكسية في المحافظة على هيبتها وسلطتها على المنتمين اليها.
8) في الحكم ايضا مخالفة للتشريعات المماثلة التي تعتمد نظام الاحوال الشخصية الطائفي بغض النظر عن اختصاص المحاكم.
في القوانين المقارنة تعتبر الطوائف مستقلة في ادارة شؤونها وتشكل قوانين أحوالها الشخصية جزءا من النظام العام.
في لبنان: يصنف نظام الاحوال الشخصية بمرتبة القانون الدستوري الذي لا يجوز المساس به اذا لم تتوافر الشروط القانونية والاسباب الموجبة القاسية لتعديل أحكام الدستور.
- اعتبر المجلس الدستوري في لبنان في قراره الصادر بتاريخ 8 حزيران 2000 والمنشور في العدد 26 من الجريدة الرسمية تاريخ 15/6/2000 ان المادة التاسعة من الدستور تعطي الطوائف الدينية المعترف بها استقلالا ذاتيا في ادارة شؤونها ومصالحها الدينية: "إلا ان هذا التدخل يصبح غير مبرر اذا أدى بصورة فعلية الى المساس بالاستقلال الذاتي للطائفة الدرزية في ادارة شؤونها او الى تجاوز المشترع لصلاحياته المنصوص عليها في الدستور".
- بدورها اعتبرت الهيئة العامة لمحكمة التمييز التي تمارس في لبنان الرقابة على الأحكام الشرعية والمذهبية استنادا الى أحكام المادتين 95 و738 من قانون أصول المحاكمات المدنية. إن قوانين الاحوال الشخصية تتعلق بالانتظام العام وهي، أي الهيئة العامة، تبطل المخالفة التي ترتكبها المحكمة الشرعية او المذهبية عندما يتناول الامر مسألة تمس بنظام الاحوال الشخصية الذي يعتبر جزءا من النظام العام اللبناني.
- في الختام، أرى أن من شان استقرار اجتهاد القضاء المصري على اعتبار ان القرارات الكنسية تعتبر قرارات ادارية خاضعة لرقابته تقليصا واضحا لاختصاص السلطات الدينية المسيحية في مصر.
ملاحظة سريعة:
بعد الانتهاء من اعداد هذه الدراسة استوقفني خبر جاء فيه ما يلي:
"أفادت مصادر قضائية ان رئيس المحكمة الدستورية العليا المصرية فاروق سلطان قضى أمس بوقف تنفيذ حكم قضائي نهائي يلزم الكنيسة القبطية الارثوذكسية تزويج المطلقين... وتقول مصادر قضائية ان النظر في النزاع يمكن ان يستمر سنوات" ("النهار" 8/7/2010).

(•) محام، أستاذ محاضر في الحقوق.
المراجع:
- كتاب شريعة الزوجة الواحدة في المسيحية وأهم مبادئنا في الاحوال الشخصية قداسة البابا شنودة الثالث.
- كتاب دراسات في قوانين الاحوال الشخصية المرحوم القمص صليب سوريال.
- كتاب أنظمة الاحوال الشخصية – منشورات مجلس كنائس الشرق الاوسط.
ابرهيم طرابلسي
النهار

No comments:

Post a Comment