Thursday, July 15, 2010

عــلى عينــك يـا تاجــر
يبدو أمن مطار رفيق الحريري الدولي كالغربال. فما من قطاع فيه يخلو من ثغرة يصعب سدها. من السياج إلى المباني، وصولاً إلى أمن الطائرات المغادرة، حيث لا رقيب على الطرود المشحونة
حسن عليق
بإمكان أي مواطن إرهابي أو غاضب، تجهيز عبوة ناسفة تعمل بانخفاض الضغط الجوي، وإيصالها إلى إحدى الطائرات التي تغادر مطار رفيق الحريري الدولي. أما الكلفة، فلا تزيد في بعض الأحيان على خمسة آلاف ليرة لبنانية، رشوة لأحد موظفي الجمارك، ومبلغ إضافي لموظف في شركة ميغ التابعة لطيران الشرق الأوسط. وبين الموظفين، مخلّص بضائع «شاطر». هي معادلة الأعجوبة اللبنانية، شركة طيران الشرق الأوسط والشركات التابعة لها. أعجوبة ترفع الأرز فوق السحاب، وتحقق أرباحاً رغم كل الفساد والهدر المستشريين في مفاصلها، ليتغنى بها الطاقم السياسي ـــــ المالي الحاكم.
جديد ما يظهر من الفساد هو في شركة ميغ (الشرق الأوسط للمناولة الأرضية، Meag) التي يتولى قسم الشحن فيها خدمات التصدير والاستيراد في مطار رفيق الحريري الدولي. ويبدو هذا القسم كبيضة ذهبية في دجاجة «الشرق الأوسط». فرغم كل ما يُروى عن الفساد في الشركات التابعة للميدل إيست، تبقى شركة ميغ الأكثر «إشراقاً» في هذا المجال، إذ إنها أكثر شركات الميدل إيست التي تشهد احتكاكاً بين موظفيها والمواطنين الذين يريدون شحن بضائعهم، ورجال الجمارك ومخلصي البضائع.
يبدأ الفساد من النقطة الأخطر، الأمن. أمن الطائرات والركاب. فالبضائع التي تُشحن من لبنان جواًَ تمر عبر نقطتي تدقيق. واحدة للجمارك، وأخرى لشركة ميغ. في الأولى، تُعد التجهيزات المعدة لتفتيش البضائع المصدرة، وخاصة الـ«سكانر» التي تكشف ما تخبئه الطرود، من الكماليات. فهي تُستخدم حسب مزاج موظف الجمارك، أو حسب الدفع، على حد قول عدد من العاملين في المطار. أما ميزان شركة ميغ الذي يحتسب وزن البضاعة، فحدّث عنه ولا حرج. مخلّص البضائع وموظف الشركة «أصدق إنباءً» من الميزان، بحسب مطّلعين على ما يجري في المطار. و«المعلوم» هو صاحب الكلمة الفصل في تحديد الوزن الدقيق للبضاعة المنوي إخراجها من لبنان جواً. والتلاعب بالميزان يحرم الشركة مدخولاً كبيراً، إذ إن رسوم الشحن مرتبطة بنوع البضاعة ووزنها.
المشكلة إذاً هي ذات طابع أمني مرتبط بالفساد، وخاصة أن البضائع التي قلما يكشف رجال الجمارك وموظفو الشركة على مضمونها، لا تخضع لأي تدقيق بعد وصولها إلى العنبر، ومنه إلى الطائرة.
هذا في مجال التصدير. أما في الاستيراد، فالحالة أسوأ، وإن كان الخطر الأمني أقل حدة مما هو عليه في التصدير.
لا تخضع كل الطرود للكشف عبر آلة السكانر الموجودة في عهدة الجمارك
في الاستيراد، ثمة سبل للفساد يعرفها صغار الشركة كما كبارها. تبدأ من لحظة وصول طائرة إلى مطار رفيق الحريري الدولي. يؤتى بمانيفست الطائرة إلى شركة ميغ، مع «بوليصة» لكل واحدة من البضائع المستوردة. على مخلص البضاعة أن يبرز البوليصة، ليحصل على قسيمة التسليم مقابل رسم قدره 41 ألف ليرة لبنانية. وفي معظم رحلات الطيران، ثمة بضاعة مشحونة غير مطابقة لما هو وارد في المانيفست. أحياناً، يكون عدد الطرود المشحونة أكبر من العدد الوارد في المانيفست، واحياناً أخرى يكون أقل. وفي بعض الحالات، لا تكون البضاعة مسجلة على المانيفست. وهنا تدور ماكينة التزوير التي تستدعي تواطؤاً بين أفراد من الجمارك وآخرين من شركة ميغ وبعض مخلّصي البضائع. وهذا التزوير يؤدي إلى حرمان الشركة والخزينة العامة أموالاً تصل في بعض الحالات إلى عشرات ملايين الليرات اللبنانية في كل حادثة. مسرح التزوير الرئيسي هو البرنامج المعلوماتي الذي يشغله موظفو شركة ميغ لحساب الجمارك، والذي يعرفه الموظفون تحت باسم برنامج «نجم». بواسطة برنامج نجم، تُدخَل بيانات البضائع المستوردة. وبناءً على هذه البيانات، تصدر قسيمة التسليم. ولأن بيانات المانيفست تكون مختلفة عن الواقع، تُدخَل البيانات غير الصحيحة في برنامج «نجم»، بهدف «تهريب» مستورد البضائع من دفع الغرامات وبدلات المحاضر.
فعلى سبيل المثال، إذا استورد أحد التجار 20 طرداً من دبي، وصلت منها إلى مطار بيروت خمسة طرود فقط، يُسجل الموظف على برنامج نجم أن عدد الطرود التي وصلت هو 20 طرداً. وتوضع الطرود الخمسة التي وصلت في العنبر، بانتظار وصول الكمية الإضافية. وعندما تصل الطرود الإضافية، يتسلمها مخلص البضائع كاملة، من دون تحرير محاضر الضبط التي تفرضها الأنظمة المعتمدة. وهذا التزوير في البرنامج يستدعي تزويراً من نوع آخر. فإصدار قسيمة التسليم لا يكون عبر برنامج Echamp المعتمد في الشركة، بل بواسطة برنامج آخر مخصص حصراً لرحلات الميدل إيست الآتية من القاهرة، لأن البرنامج الاخير مبني على نظام EXCEL، وبالتالي، يسهل محو ذاكرته. ولإخفاء عمليات التزوير، تُخفى المستندات الورقية التي تخص هذه المعاملات، كالبوالص ونسخات المانيفست.
يضاف إلى ذلك أن بعض البضائع تصل إلى المطار من دون أن تكون مسجلة في مانيفست الطائرة. وهنا يلجأ الموظف المعني إلى التوزير بطريقة شديدة التقليدية، إذ تضاف البيانات بواسطة الدكتيلو!
ولا يؤدي التزوير إلى حرمان الشركة والخزينة آلاف الليرات، بل يصل الأمر أحياناً إلى عشرات الملايين. فقبل مدة قصيرة، وصلت طائرة من الإمارات من دون إحضار المانيفست. موظف الجمارك تولى مباشرة الاتصال بالشركة طالباً مبلغ 500 دولار أميركي لـ«تسوية» الأمر، ولما رفضت الشركة، حرر محضر ضبط بقيمة 100 مليون ليرة! هذه المرة، رفضت الشركة. لكن غيرها يدفع اتقاءً لشر محضر الضبط.
كل ذلك يجري على عينك يا تاجر، يقول موظف بارز في شركة طيران الشرق الأوسط. فرئيس مجلس إدارة الميدل إيست، محمد الحوت، «لا يهتم بتفاصيل» عمل الشركة التي يتولى إدارتها ريتشارد مجاعص (73 عاماً). والأخير، يتهمه موظفون كثر بإيلاء أهمية فائقة للحسابات السياسية والطائفية في الشركة، ما يؤدي إلى حماية معظم الفاسدين. أما مدير قسم الشحن، سهيل شريتح، فمشغول بمعركته مع المدير التنفيذي للقسم بسام شاهين. وكل منهما يحاول اجتذاب عدد من الموظفين إلى صفه، ما يمنح فاسدين كثراً حصانة تضاف إلى الحصانة المتأتية من الانتماء الطائفي والمذهبي والسياسي.
خلاصة الأمر، بحسب أحد الموظفين المخضرمين في الميدل إيست، أن ما يحافظ على الأمن في المطار هو ما يحفظ أمن البلاد، أي القرار السياسي. «أما الإجراءات اليومية فمتروكة على عاتق القدرة الإلهية. والله وحده هو من يحمي الطائرات المغادرة. ويسألونك عن سبل إخراج أطنان الحشيشة من البلاد!».

عدد الاربعاء ١٤ تموز ٢٠١٠

الاخبار

No comments:

Post a Comment