سيناريوهات تغيير حكومي ربطاً بالمحكمة
الوزراء طارق متري وعلي عبد اللّه وعدنان القصّار خلال أحد اجتماعات الحكومة (أرشيف)الأنظار كلها موجّهة إلى أيلول، الموعد المتداول لصدور القرار الظني الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وحديث المجالس أن البلاد بحاجة إلى تحصين، وأن حزب الله بحاجة إلى مساعدة لمواجهة احتمال اتهامه. وبين الأفكار تغيير الحكومة الحالية، البند الذي يتريّث قادة الحزب في التعليق عليه
نادر فوز
يبدو أن هدنة الخارج المفروضة على الداخل اللبناني لن تدوم طويلاً، أو أنّ تغييرات ستطال ركائز الهدنة ومقوّماتها ربطاً بمتغيّرات سياسية منتظرة. ولا يستطيع أي طرف أو زعيم اليوم إنكار أن الظروف تتبدّل والموازين تنقلب، ما يستوجب تغييراً على صعيد إدارة القرار السياسي وخطتي سيره وعمله. وهذا كله مرجّح للتصاعد، إذا فُتحت الملفات التي تحدّث عنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. فلم تعد الأوضاع تسمح بالمزيد من التمهّل، وخصوصاً أننا على بعد خطوات من شهر أيلول الذي يردّد الجميع ـــــ تقريباً ـــــ أنه سيأتي حاملاً عناصر تفجيرية يمكنها نسف أي هدنة أو تسوية.
الجميع يتحدث اليوم، استناداً إلى معلومات أو تحليلات، عن أن القرار الاتهامي للمحكمة الدولية سيحمّل أعضاءً في حزب الله مسؤولية ما في عملية اغتيال الرئيس الحريري. فأمس، جلس صقور أكثريون في مجالسهم، حاملين سيجاراتهم وبدأوا يتخيّلون المشهد في تلك اللحظة المقبلة. لا يخفون توتّرهم ولا قلقهم، إلا أنهم يجدّدون ثقتهم بخطهم السياسي، رغم التصدّعات التي أصابته. أما في الضفة الأخرى، فيجلس مسؤولون في المعارضة السابقة، يؤكدون أن كل الخطوات تدرس بهدوء، وخصوصاً أن عمل المحكمة معرّض للتشكيك، إذا لم نقل النسف، لانكشاف الضلوع الإسرائيلي في «داتا» الاتصالات، وهي إحدى ركائز تقارير المحققين الدوليين واستنتاجاتهم.
أبرز ما يجري الحديث عنه اليوم هو كيفية تحقيق التماسك الداخلي وصون التركيبة السياسية عند إصدار القرار الظني. وخصوصاً أن حزب الله لن يتحمّل تقريراً مشابهاً، ولن يرضى حتى بصمت حكومي تجاه هذه الاتهامات. من هنا تأتي ضرورة التغيير الحكومي، وهو ما لا يعلّق عليه حتى اليوم مسؤولون في الحزب، فيبتعدون عن مناقشة هذا الملف، مؤكدين أن الوقت كفيل بتوضيح كل الأمور، مع إعادة إشارتهم إلى ما قاله السيد نصر الله، الجمعة الماضي، عن أن اتهام المحكمة للحزب اتهام إسرائيلي وموجّه سياسياً.
دبلوماسيون عرب وأجانب يسألون وكلام عن تأثر المحكمة بالتحذيرات من الفتنة
أما الرئيس سعد الحريري والفريق المحيط به، فيجدون أنفسهم بين شقّي هذا التغيير. فهم يؤكدون كل يوم أن المحكمة الدولية، وقراراتها، هي الخط الأساسي لسياستهم، وفي المقابل يدركون أن أي قرار باتهام مسؤولين في حزب الله، من شأنه نسف مواقعهم الحالية، سواء أكان في رئاسة الحكومة أو في المعادلة الحاصلة.
لم تكن فكرة التغيير الحكومي، قبل أسابيع، تلقى الرواج والاهتمام اللازمين عند طرحها، إلا أنها تدخل اليوم دون استئذان إلى المجالس السياسية، حتى لأكثر الأطراف تمسّكاً بالصيغة الحكومية الحالية. واللافت أنّ الحديث عن هذا التغيير يرتبط تلقائياً بموقف رئيس كتلة اللقاء الديموقراطي، وليد جنبلاط. فكل الأطراف تشير، بعد الحديث عن الموقف العربي لنسف الصيغة الحالية، إلى الدور الذي يمكن جنبلاط أن يؤديه في تغيير المعادلة.
فعلى جنبلاط اليوم حسم خياراته؛ إما أن يكون إلى جانب حزب الله وحلفائه بوضوح، وإما أن نعود إلى ما كنّا عليه، إذ لا تكفي المواقف الجنبلاطية العلنية الداعمة للمقاومة في مرحلة حساسة يتعرّض فيها حزب الله لهجوم سياسي ميداني. وفي مرحلة التغيير الحكومي، تتحدث أوساط معنيّة بالمقاومة عن أنه سيكون على عاتق جنبلاط وضع حجر الزاوية للحكومة المقبلة ومشروعها السياسي الحامي لخط المقاومة. حيث المطلوب منه، ببساطة، تحويل الأكثرية النيابية إلى أقلية وبالعكس.. فهل يفعلها؟
والاهتمام بالتغيير الحكومي لا يقتصر على الأوساط المحلية، بل يتعداها إلى الأوساط الدبلوماسية الغربية والعربية. ويمكن استخراج مجموعة من العناصر التي ستحكم المجلس الوزاري الجديد، وأوّلها أنّ المطلوب هو إلغاء الشكل الحالي للحكومة، ونقله من واقع «حكومة اتحاد طوائف» إلى حكومة اتحاد وطني. أي التخلّص من سيطرة الزعامات الطائفية على التشكيلة الحكومية، وخصوصاً في مرحلة تعجّ بالأحداث والتغيّرات. فيجري الحديث اليوم عن عودة نمط حكومات الحريري الأب، ما يدفع إلى إلغاء الاستئثار الطائفي بكامل الحصص الوزارية، بحيث تقتصر حصة زعماء الطوائف على وزيرين أو ثلاثة حداً أقصى، فيما يكون القسم الأكبر من الوزراء «مصنّفين» تابعين للخط الوطني، أي «إنهم لا ينتمون سياسياً إلى أي طرف». فيجري الحديث عن أمثلة كالوزراء السابقين فوزي صلوخ، المرحوم أسعد دياب، محمود حمود وغيرهم. وبذلك يكون اللبنانيون قد أسقطوا مفهوم «الثلث الضامن»، لكون حكومتهم قد أصبحت متجانسة.
الأهم في الأمر أنّ المقرّبين من المقاومة، الذين يتحدثون عن التغيير الحكومي، يؤكدون أن الحكومة لا يمكن أن يرأسها سوى الحريري الابن، على اعتبار أنه الممثّل «الأقوى» لطائفته. إضافة إلى كون وجوده على رأس حكومة مماثلة يحمل الدلالات السياسية الواضحة في دعم المقاومة وإزالة العوائق الداخلية من أمامها.
على عاتق جنبلاط وضع حجر الزاوية للحكومة المقبلة ومشروعها السياسي الحامي لخطّ المقاومة
لتحقيق هذا التغيير الحكومي، يُتحدّث عن ثلاثة سيناريوات لا رابع لها. ويفترض السيناريو الأول أن يحصل التغيير الحكومي قبل صدور القرار الاتهامي، فيترأس الحريري مجلساً وزارياً مهمّته الأولى رفض اتهام المحكمة لمسؤولين في حزب الله بارتكاب عملية اغتيال الحريري الأب. وفي هذا السيناريو الذي تعبق منه رائحة الزهور وتنير شمسه المشرقة في السماء الزرقاء، سيكون على الحريري قيادة حكومة تتّهم المحققين بتسييس المحكمة وتحقيقاتها وتقاريرها. وهو أمر صعب نسبياً. وما يعني أيضاً أن «القوات اللبنانية» وحزب الكتائب سيتمثلان بنصف وزير، أي إما وزير دولة لكل منها، أو وزير مع حقيبة يتشاركان في تسميته. وهو ما سيسمح بإضعاف هذا الفريق ويمنع إحاطتهما بالرئيس الحريري أو «يساعده على التخلص من عبئهما» كما يقول جنبلاط.
وإذا كان السيناريو الأول وردياً، فإن السيناريو الثاني يحمل في فكرته احمراراً سبق للبنانيين أن ذاقوه وحفظوا مشاهده وتبعاته ومآسيه. ففي النسخة الثانية لمهمة التغيير الحكومي، سلاح وإقفال شوارع واحتلال مراكز ومواقع. ومقارنة بهذا السيناريو ستكون أحداث 7 أيار «نزهة». وإذا كان الأمين العام لحزب الله قد صعّد بوضوح في خطابه الأخير، إلّا أنه تجدر العودة إلى خطابه يوم 8 أيار 2008، يوم قال: «هناك يد ممدودة للحوار على قاعدة إلغاء القرارات الظالمة (قرارا إقالة رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير، ووضع اليد على شبكة الاتصالات السلكية للمقاومة)، ويد أخرى تحمل السلاح. لن نعتدي على أحد، ولن ننفذ انقلاباً. ولو نوينا مع حلفائنا الانقلاب، لأفقتم صباح اليوم التالي في السجون. نحن ندافع عن أنفسنا».
وبالتالي، فإنه أمر واضح أن اتهام المقاومة بقتل الرئيس الحريري يتجاوز بمخاطره وضع اليد على شبكة الاتصالات، على اعتبار أن المطلوب من هذا الاتهام السياسي فتح أبواب الفتنة والمساعدة على تدمير صورة الحزب والمقاومة.
أما السيناريو الثالث، فيفترض عدم صدور القرار الاتهامي عن المحكمة، وهو ما يتوافق مع إشارة بعض الدبلوماسيين إلى أن «الجهات الدولية تدرس اليوم مدى الحماية التي يمكن أن يوفّروها لهذا القرار، كما يدرسون التبعات السياسية التي يمكن أن تنتج منه». وبذلك يكون المعنيون قد أجّلوا الهجوم على حزب الله، وأجّلوا الأزمة التي عليهم إشعالها من حين إلى آخر في وجه المقاومة.
أيلول المقبل إذاً بين هذه السيناريوات الثلاثة، إلا أنّ أكثرها ترجيحاً هو الاحتمال الثالث، ولو أن الانسحاب الأميركي من العراق بحاجة إلى بعض القنابل الدخانية التي من شأنها إبعاد الأنظار عنه.
________________________________________
حزب الله مستعدّ للمواجهة
لم يجلس مسؤولو حزب الله وممثّلوه مكتوفي الأيدي مقابل ما يجري الإعداد له في أروقة المحكمة الدولية. فمنذ أشهر يقوم الحزب بإعداد ملفات يتمكن من خلالها إثبات أخطاء المحققين الدوليين والمتاهات التي وقعوا فيها، أو حتى النقاط التي تجاهلوها للاستمرار «في المشروع السياسي الكامن وراء القرار الظني المرتقب». وبين المطّلعين من يقول «إن الحزب يمسك بمجموعة من الإثباتات والبراهين لدحض أي قرار توصلّ إليه الادّعاء يحمّل حزب الله أو مسؤولين فيه أي مسؤولية، كبيرة أو صغيرة». إلا أن الحزب لا يزال غير مطمئنّ إلى مجرى الأمور، على اعتبار أنّ الساحة الداخلية مكشوفة أمام العدو الإسرائيلي، والموقف الرسمي يشوبه الكثير من الخلل والعجز. ووسط هذه الأجواء، يخرج النائب رياض رحال (الصورة) باستنتاج مفاده أن «كل مواقف حزب الله تعبّر عن قلقه، وهي تدخل الشكوك إلى كل اللبنانيين بشأن دور الحزب وتورّطه في الاغتيالات منذ عام 2004».
عدد الاثنين ١٩ تموز ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment