Saturday, July 17, 2010

رصد متعدد الزوايا لمناخات «رابعة» الحريري السورية.. و«ثالثة» الأسد اللبنانية:
حسم الاتفاق الأمني والسياسة الخارجية يفتح الطريق.. والتأخير يؤجل التطبيع الحقيقي

ملاك عقيل

ما أن سربت دوائر القصر الجمهوري نبأ الزيارة القريبة للرئيس السوري بشار الأسد الى لبنان، حتى وضعت الزيارة، في توقيتها ومضمونها، على مشرحة النقاش السياسي،
وإن كانت الدوائر اللصيقة بمرجع لبناني كبير تؤكد أن «مبدأ الزيارة» في هذا التوقيت السياسي بالذات لم يقر بعد، فيما يتحدث بعض زوار دمشق عن انزعاج من طريقة
التسريب... وهم أنفسهم كانوا قد حسموا أن لا حديث عن زيارة رئاسية سورية قبل رؤية رئيس الحكومة سعد الحريري على رأس وفد وزاري كبير في العاصمة السورية... جرى
تعديل أسمائه في الساعات الأخيرة.
يعني ذلك أن الزيارة المقررة يوم غد للحريري، ومعه أكثر من عشرة وزراء وفريق من المستشارين، ربما تكون محطة مفصلية، سواء على صعيد إعادة الاعتبار للاتفاقيات
اللبنانية ـ السورية ولمعاهدة الأخوة الأم بين البلدين، كما للمجلس الأعلى اللبناني ـ السوري، وللتنسيق بين البلدين في المستويات كافة، خاصة في ظل الانشداد
السوري الى ترجمة المناخ السياسي الفوقي على صعيد الناس في البلدين من خلال الاتفاقيات الاقتصادية والخدماتية والاجتماعية وغيرها...
وإذا كان البعض قد اعتبر أن مجيء الرئيس الأسد الى بيروت «تحصيل حاصل»، بعدما أعاد رئيس الحكومة مدّ جسور التواصل والتنسيق مع العاصمة السورية، فإن ثمة من يربط
الزيارة المرتقبة بعناوين «ساخنة» في المنطقة، ليس أقلها موضوع القرار الاتهامي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ليس من المتوقع ان تكون الحفاوة بالضيف الرئاسي السوري، اذا حصلت زيارته، في الموعد المشتهى لبنانيا، أقل من تلك التي طبعت زيارته الأولى الى لبنان في الثالث
من آذار من العام 2002، قبل 24 يوماً من انعقاد القمة العربية في بيروت. لكن تراكمات السنوات الثماني الماضية كافية للقول بأن مصافحة الأسد للرئيس السابق اميل
لحود يومها لا تشبه بشيء أية مصافحة أخرى، خاصة أن خيار لحود كان خيارا سورياً.. ولم يكن بشار الأسد بعيدا عنه من قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية.
في عهد اميل لحود ارتدت مبادرة بشار الأسد طابعاً تاريخياً إذ كانت الزيارة الأولى له الى بيروت منذ توليه مقاليد السلطة خلفاً لوالده الراحل حافظ الأسد، والثالثة
لرئيس سوري منذ عام 1947 عندما زارها الرئيس شكري القوتلي وبعده الرئيس حافظ الأسد عام 1975. الأهم أنها أتت وسط مناخات كانت بدأت تروّج لمطالبات بضرورة الانسحاب
السوري من لبنان، وإعادة صياغة العلاقات اللبنانية - السورية «بعيداً عن التبعية» و«منطق الوصاية». وإن كان السبب الرسمي المعلن يومها هو «تنسيق المواقف» قبل
القمة العربية التي حضرها الأسد لاحقا في السابع والعشرين من آذار 2002.
الاستقبال الرسمي الحار الذي أقامه أركان الدولة اللبنانية للضيف السوري، بحضور الرئيس رفيق الحريري، على أرض مطار بيروت الدولي، استتبع باجتماع بين الرئيسين
اللبناني والسوري ثم باجتماع للمجلس الأعلى اللبناني - السوري. وقد ضم الوفد السوري يومها رئيس جهاز الامن والاستطلاع للقوات السورية في لبنان اللواء الركن
الراحل غازي كنعان، فيما كان في عداد المستقبلين على أرض مطار بيروت، قائد الجيش آنذاك العماد ميشال سليمان.
السجاد الأحمر الذي فرش للأسد قبل ثماني سنوات في القصر الجمهوري استثمر في السياسة دعماً سورياً مطلقاً للرئيس اللبناني «المغضوب عليه» في الداخل. سجاد بعبدا
عام 2010 سيتوّج عودة الحرارة السياسية والشخصية للعلاقة بين الرئيسين اللبناني والسوري، لكنه سيبقي باب التساؤلات مفتوحاً حول مصير علاقة الأسد الابن مع نجل
رفيق الحريري على ضوء استــحقاقات مصيرية في الداخل والمنطقة.
في اعتقاد مرجعية سياسية معنية بالعلاقات اللبنانية السورية «سعد الحريري ذهب ثلاث مرات إلى دمشق حتى الآن من دون ان يتمكن من أخذ طائفته معه... بشار الأسد
صافح زعيم الطائفة السنية لكنه لم يصافح شارعها بينما كان الأمر مختلفا مع وليد جنبلاط الذي نجح في تهيئة شارعه ولو أن المتحفظين ليسوا بقليلين».
لمسيحيي الرابع عشر من آذار مقاربة أكثر شمولية لمبدأ الزيارة «الأسد لا يقوم بزيارات مجانية إلى لبنان. التوقيت والشكل والمضمون، كل ذلك له دلالاته في الأجندة
السورية. بالنتيجة، الزيارة ستشكّل محطة لتحسين العلاقات بين البلدين خصوصاً أنها تأتي في ظل تصاعد التهديدات الإسرائيلية والتطورات الخطيرة في الجنوب والتعثر
الحكومي في العراق وتزايد العقوبات الدولية على إيران وتوتر العلاقات الإسرائيلية - التركية، إضافة إلى الحوار السوري مع الولايات المتحدة وأوروبا الذي يشهد
تباطؤاً ملحوظاً منذ أشهر...»
يتمنى مسيحيو فريق 14 آذار «أن يتم التوصل إلى موقف سوري لبناني موّحد و«حكيم» حول مجمل هذه الملفات الأساسية، شريطة عدم الانزلاق في لعبة المحاور والاصطفافات
الخطرة ضناً بالأمن اللبناني ـ السوري» لأن أي حرب في المنطقة، برأي هؤلاء، لن توفّر هذه المرة الأراضي السورية تحت عنوان ردع سوريا من تزعّم جبهة الممانعة
والحد من تحالفها من طهران».
هكذا يجاهر الآذاريون بترحيبهم بالضيف الرئاسي السوري «على أن تأتي المحادثات مع الجانب اللبناني تنسيقاً بين دولتين وليس «تبليغاً» من دولة الى أخرى. ويبدو
وفق المعطيات المتوافرة لدينا ان الرئيس الأسد يريد فتح صفحة جديدة مع الدولة اللبنانية، لأنه يدرك دقة الظرف القائم وانعكاسات التصرفات السابقة التي قام بها
بعض أركان النظام السوري سابقاُ كعبد الحليم خدام واللواء غازي كنعان...» يقول قيادي في قوى 14 آذار...
في حسابات الناشطين على خط بيروت - دمشق، لن تأتي زيارة الرئيس السوري الى لبنان إلا تتويجاً لمسار بدأه الجانب اللبناني في إعادة الحرارة الى لغة التكامل بين
البلدين بداية من جانب الرئيس ميشال سليمان ولاحقاً عبر الزيارات الثلاث لسعد الحريري الى دمشق... «والأهم ترقب مضامين ودلالات الزيارة الرابعة(غدا)».
ووفق هؤلاء، تلقت القيادة السورية بارتياح كبير خطوة رئيس الحكومة اللبنانية بـ«مروره» بدمشق قبل لقائه الرئيس الأميركي باراك أوباما في واشنطن في 24 أيار الماضي،
من ضمن جولة عربية له شملت مصر والأردن والسعودية، ثم عودته إلى دمشق بعد مغادرته العاصمة الأميركية، في تثبيت لدعائم التشاور والتنسيق اللبناني السوري في ملفات
تعني البلدين على قدم المساواة وخاصة ملف السياسة الخارجية الذي يعتبر كما الملف الأمني «الأكثر حساسية وأهمية بالنســبة إلى الجانب السوري».
في المرات الثلاث التي التقى فيها الحريري، الرئيس السوري، خلال مدة لم تتجاوز خمسة أشهر، تسنّى لرئيس الحكومة اللبناني ان يطّلع على جدول اهتمامات الأسد في
لبنان والمنطقة. بحسب المطلعين كان نجل حافظ الأسد واضحاً في رسم الخط البياني للسياسة السورية في لبنان: الاستقرار الأمني والسياسي في بلاد الأرز حاجة لدمشق
قبل بيروت، ومن هذا الباب أكد الأسد دعم بلاده لحكومة الحريري الابن الأولى. والفتنة السنية - الشيعية تدخل دائرة «الممنوعات» السورية.
مع ذلك بدا «الملف اللبناني»، الذي تعود حصرية البت فيه للرئيس السوري شخصياً بتأكيد مرجعيات لبنانية مقرّبه منه، مجرد جزء من صورة أشمل وأعقد: فدمشق الخارجة
من «فم التنين» بعدما حاصرها الأخطبوط الدولي بعد احتلال العراق في العام 2003 وتحول لاستهدافها مباشرة بعد العام 2005، تحوّلت الى ممسكة بطرف أكثر من خيط إقليمي
ولاعبة أساسية في إدارة عدة ملفات عالقة تحت سلسلة عناوين عريضة منها العلاقة «البناءة» مع روسيا وتركيا، والحلف الثابت مع ايران، ودعم «المقاومة»، والحوار
«المدوزن» مع الإدارة الاميركية، ودعم وحدة العراق، والتصرف على أساس ان التهديدات الاسرائيلية مجرد «فقاقيع صابون»، ومؤشرات الحرب لا تكون عادة كلامية، حتى
لو أتت من باب «الترويج» لصواريخ سكود حصل عليها «حزب الله» من دمشق أو الكشف الاسرائيلي عن مواقع عسكرية للمقاومة في الجنوب.
ضمن هذا المشهد العام، ثمة من المرجعيات السياسية اللبنانية من يقول إنه من الأجدى رصد مناخ زيارة الحريري الرابعة. ففي الأولى، قال له بشار الأسد إذا كنت تشك
للحظة في أنني متورط أنا أو سوريا في جريمة اغتيال والدك يجب أن ينتهي اللقاء بيننا عند هذا الحد... في الثالثة، تلقى رئيس الحكومة نصيحة واضحة سمعها أكثر من
قيادي لبناني التقى الأسد مؤخرا: ان نقل الاتهام من موجة سوريا الى موجة «حزب الله» يعني أن الاتهام ما زال في خانة سوريا، ولذلك فتّشوا عن موجة ثانية... وإلا
لن يؤدي أي نقاش بين البلدين الى ما تصبو اليه سوريا بعودتها الى مسارها الطبيعي.
ثمة مناخ في دمشق بأن مشكلة رئيس الحكومة أنه يمارس خطابا مختلفا عن سلوكه وعقله الباطني. هذا الأمر ينسحب على بعض المسائل العالقة. كان الاتفاق يقضي بحسب بعض
العارفين، أن ينهي رئيس الحكومة وحكومته ملف الاتفاقيات الثنائية بحيث لا تبقى هناك أية اتفاقيات عالقة. حسم الكثير وبقي القليل لكن القليل ليس بالأمر الذي
يسهل زيارة الرئيس الأسد، لأن العالق هو ما كان ينبغي حسمه أولا، الاتفاقية الأمنية واتفاقية التنسيق في الشؤون الخارجية. لذلك، لن يكون بمقدور الرئيس الأسد
أن يتوج بزيارته انعقاد المجلس الأعلى، ما يعني أن شيئا ناقصا ينتظر «الزيارة التاريخية للأسد الى لبنان».
ملاك عقيل
السفير

No comments:

Post a Comment