«شفط» فروق العسكريين
المستحقات تبلغ 90 مليار ليرة ووزارة المال تريد خفضها إلى 60 ملياراً
ريّا الحسن ومستشارها نبيل يموت (بلال جاويش)
اندلعت الحرب بين وزارة المال وقيادة الجيش على خلفية كيفية احتساب فروق سلسلة الرتب والرواتب للعسكريين من ضباط وأفراد، فالوزارة تريد خفض المبالغ المستحقة بقيمة 30 مليار ليرة، لأنها تعتمد آلية احتساب مغايرة لما جاء في أربعة قوانين تحدّد توصيف الراتب ومكوّناته والفروق المستحقّة
محمد وهبة
تحاول وزارة المال المهيمن عليها من جانب فريق الحريري السياسي، حسم مبلغ 30 مليار ليرة من حقوق العسكريين المستحقة لهم من فروق سلسلة الرتب والرواتب، إذ إنّ الحسابات التي أجرتها قيادة الجيش اللبناني تشير إلى أن الدفعة الرابعة من الفروق تصل إلى 90 مليار ليرة، فيما حسابات وزارة المال تشير إلى أنها تبلغ 60 ملياراً. السبب هو أن وزيرة المال في حكومة تصريف الأعمال، ريّا الحسن، وسلفها محمد شطح، ومديرة الصرفيات في الوزارة، عليا عبّاس، يصرّون على إعادة احتساب الفروق بصورة مخالفة للقوانين التي أقرّت السلسلة.
فروق وإمكانات
تعود قصة الفروق إلى عام 1998 حين صدرت عن مجلس النواب ثلاثة قوانين (716، 717، 718) تحدّد الأسس التي ستُعتمد للعمل وفق سلسلة رتب ورواتب جديدة في القطاع العام، وبما أنّ تطبيق هذه القوانين له مفعول رجعي يبدأ في مطلع عام 1996، كان واضحاً وجود فروق ترتبّت على الدولة تمتدّ إلى 3 سنوات. فهذا الأمر كان ملحوظاً في المادة 14 من القانون 717 التي ربطت تسديد هذه الفروق بـ«توافر الإمكانات لدى الخزينة»، وحينها فقط «تحيل الحكومة على المجلس النيابي مشاريع قوانين ترمي إلى فتح الاعتمادات اللازمة من أجل تأدية المفعول الرجعي المستحق اعتباراً من 1/1/1996 للمستفيدين من أحكام هذا القانون».
وبموجب نصوص هذه القوانين يستفيد العسكريون في الجيش اللبناني من فروق السلسلة التي تعدّلت مرّة جديدة بموجب القانون 63 الصادر بتاريخ 31/12/2008، إذ أُعطي جميع موظفي الدولة مهما كان نوع وطبيعة عملهم وعقدهم في ملاك القطاع العام، زيادة بقيمة 200 ألف ليرة تضاف إلى أساس الراتب الشهري. حصل العسكريون على ثلاث دفعات حتى الآن، ولم تبقَ إلا الدفعة الأخيرة التي احتسبتها قيادة الجيش وفق القوانين الأربعة التي حدّدت سلسلة الرتب والرواتب الصادرة في 1998، والزيادة التي طرأت عليها في عام 2008، وتبيّن للقيادة العسكرية أنّ قيمة المستحقات تبلغ 90 مليار ليرة، لكنها تبلغ 60 ملياراً وفق حسابات وزارة المال، التي تحتسب الفروق «على ذوقها»، ووفق توصيفها المخالف للقانون، بحسب تعبير أحد المتابعين.
تعديل غير قانوني
في أيار 2009 جرى توافق سياسي على تسديد الفروق، فتوافرت «الإمكانات» في الخزينة، وأصدر الوزير شطح القرار رقم 550 بعنوان «وضع آلية تسديد فروق الرواتب ومعاشات التقاعد للمستفيدين...». وعلى الرغم من أن القرار نال موافقة مجلس شورى الدولة، فإنها كانت «غبّ الطلب»، إذ تضمن مخالفة جسيمة لنص القوانين المذكورة، وارتكاباً فادحاً بحق كل العاملين في ملاك الدولة والمؤسسات العامة والقوى العسكرية والقضاة والمعلمين، حيث إنّ المادة الثالثة من القرار حدّدت آلية لاحتساب الفروق مخالفة لما هو مذكور في القوانين الأربعة التي ألغت الراتب القديم وحوّلته إلى راتب جديد وفق سلسلة جديدة، أي الانتقال إلى نظام جديد مختلف في مكوّناته، لا دمجه مع التعويضات المتمّمة له كما ورد في توصيف شطح في المادة الثالثة من قراره: «الراتب والتعويضات المتمّمة له، التي دُمجت فيه اعتباراً من 1/1/1999، وأُدخلت في صلب الراتب».
وبما أنّ الفروق المستحقة للمستفيدين، هي حاصل الطرح بين الراتبين السابق والجديد، تكون الوزارة قد ضخّمت الراتب السابق لتقلّص قيمة التعويضات المستحقة للعاملين في الملاك العام.
وما جرى فعلياً، هو أن الوزارة كانت تحاول تعديل المواد القانونية التي حدّدت آلية احتساب الراتب الجديد، بتعاميم تصدر عن الوزير بالتنسيق مع عليا عبّاس. فهذه التعاميم مخالفة للقوانين المذكورة، وتلغي الراتب السابق وتحوّله إلى راتب جديد وفق جداول ملحقة... لكن شطح وتلته الحسن، مارسا هذه المخالفة مع معظم الفئات في الملاك العام.
حين تكشّفت الفضيحة، حاولت الوزارة تشريع خطواتها السابقة، فرفعت مشروع قانون إلى مجلس النواب لإضافة توصيف جديد للراتب الجديد: «يقصد الراتب الشهري والتعويض المتمّم له الذي كان يتقاضاه صاحب العلاقة شهرياً في حينه، وجرى دمجه بأساس الراتب بموجب القوانين 716، 717، 718».
نظام يمّوت
لم يكتف شطح بهذه المحاولة، بل طلب في تموز 2009 مساندة رئاسة الوزراء التي أصدرت تعميماً رقمه 22 في 17 تشرين الأول 2009، يطلب إلى جميع الإدارات التقيد بنماذج حدّدتها الوزارة بناءً على القرار 550، وهي ضرورية لأنّ الوزارة تسعى «إلى تحديث قاعدة البيانات». فقد تبيّن حينها فشل المكننة في وزارة المال، التي صمّمها وأرساها وأدارها المستشار نبيل يمّوت، طيلة فترة ولاية وزراء المال الحريريون، فهو يوصف بأنه وزير الظل في وزارة المال. يقول شطح في مذكّرته رقم 1888 الصادرة بتاريخ 10 تموز 2009، إن وزارة المال أخطأت في تحويل الدفعة الأولى من الفروق بسبب وجود أخطاء في المعلومات المتوافرة على النظام المُمَكنن في الوزارة، وهي ناجمة عن «عدم دقّة المعلومات الموجودة على هذا النظام»... وللتذكير فقط، فإن هذا النظام هو محور الخلاف بشأن وجود ثُغَر وأخطاء أدّت إلى وقوع هدر ويُشتبه بحصول سرقات كبيرة من حسابات الدولة.
إصرار على... المخالفة
على أيّ حال، لم تُحسَم قيمة فروق العسكريين، خلافاً لما جرى بين وزارة المال وغير أجراء وإدارات ومؤسسات عامة، حيث فرضت الوزارة رؤيتها وخفضت قيمة الفروق المستحقة، لكن مع الجيش، فإنّ الأمر لا يزال عالقاً، ففي آب 2010 حاولت الوزيرة ريّا الحسن، بالتنسيق مع مديرة الصرفيات، عليا عبّاس، فرض آليتها في احتساب الفروق، ما يقلّص المبالغ المستحقة للعسكريّين بقيمة إجمالية تبلغ 30 مليار ليرة، لا بل هدّدت قيادة الجيش «تحت طائلة عدم صرف الدفعة الرابعة من فروق السلسلة»، مذكّرة إياها بقرار وزير المال رقم 550 الذي يحدّد طريقة الاحتساب، لكن القيادة أجابتها بأن المادة 15 من القانون 63نصت على استحقاق الفروق «على أساس الراتب من دون أيّ إضافات مهما كان نوعها أو تسميتها أو أسباب استحقاقها».
________________________________________
15
هو رقم المادة في القانون 63، التي تلحظ وجود اعتمادات سنوية لازمة لتغطية فروق معاشات المتقاعدين وسلسلة الرتب والرواتب من 2009 حتى 2011، على أن «تستحق الفروق على أساس الراتب دون أية إضافات مهما كان نوعها أو تسميتها أو أسباب استحقاقها».
________________________________________
رواتب العسكريين في خطر
تبلّغت وزارة المال من قائد الجيش، جان قهوجي (الصورة)، كتاباً يشير إلى أن القيادة ستستمر في دفع السلف إلى العسكريين أصحاب الحق وفقاً لمضمون القانون 63/2008 ما لم يصدر أيّ نص قانون يخالفه، إلّا أن ما قامت به الوزارة، أدّى إلى تعريض بعض العسكريين لمخاطر الحجز على رواتبهم من جانب المصارف التي كانت قد حسمت لهم سلفاً قيمة فروقهم مقابل عمولات، فبدأت تحجز على رواتبهم مع امتناع الوزارة عن إرسال المبالغ المستحقة إليهم إلى المصارف حيث رواتبهم موطّنة.
العدد ١٣١٤ الجمعة ١٤ كانون الثاني ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment