أشباح لبنان تظهر في نينوى ــ العراق
النازحون من بغداد والموصل إلى نينوى يخشون من تسلّل الإرهاب إلى مناطقهم (أ ف ب)
إلى سهل نينوى وصل ميشال عون وسمير جعجع، حاملين إلى أبناء المأساة العراقية الانقسام والتحالفات الطائفية وغياب المشاريع. إلى ذلك، يستعيد أبناء تلك الأرض وسكانها خطاباً مسيحياً عرفه اللبنانيون، يعبّر عن رغبتهم في إدارة ذاتية تتيح لهم حكم أنفسهم بأنفسهم
غسان سعود
يوماً تلو آخر، يزداد نزوح العراقيين المسيحيين من بغداد والموصل وغيرها من مناطق التوتر الطائفي في العراق، باتجاه سهل نينوى في محافظة الموصل، وبلدة عنكاوا في كردستان.
عنكاوا (تبعد عن أربيل نحو أربعة كيلومترات) كانت عام 2003 أقرب إلى حي مسيحي لا يتجاوز عدد سكانه عشرة آلاف نسمة، معظمهم من الكلدان. لكن مع تحوّل الحي إلى نقطة استقطاب للمستثمرين الوافدين إلى كردستان من الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا ولبنان، وانتقال آلاف العائلات من بغداد والموصل إليها، بات الحي أقرب إلى المدينة السريانية.
لدى الشباب في هذه المدينة الآخذة بالصعود الكثير ليناقشوه؛ من القضايا الاقتصادية إلى علاقة الأقلية المسيحية في كردستان مع الأكثرية الكردية، مروراً بأوضاع المتدفقين من مختلف المناطق العراقية. لكنهم غالباً ما يُشغَلون عن همومهم بمتابعة تفاصيل الخلافات المسيحية، اللبنانية ـــــ اللبنانية. ففي مشهد مضحك، لا تمر بضع دقائق على اجتماع شباب عراقيين حول طاولة واحدة، حتى يتبيّن أن الشباب منقسمون سياسياً... بين مؤيدين لميشال عون ومؤيدين لسمير جعجع. يهربون من الرتابة السياسية في وطنهم إلى «الأكشن» اللبنانية: الموقع المتقدم للمسيحيين في النظام هو أمر جاذب، يقول أحدهم. انقسام المسيحيين بحسب الانقسام السني ـــــ الشيعي يسهّل فهمنا للموضوع، يضيف آخر. فضلاً عن اعتقاد ثالث بأن مسيحيي لبنان سبق أن تعرضوا لبعض مما يتعرض له مسيحيو العراق اليوم، ويمكن بالتالي الاستفادة من التجربة اللبنانية لأخذ العبر. وفي سياق النقاش، سيفاجأ الزائر بمتابعة هؤلاء الشباب صحفاً نسي اللبنانيون أسماءها، وملاحقتهم الأخبار السياسية اللبنانية إلى حد متابعة نشاط حزب التضامن، إضافة إلى استفادتهم من المسافة العاطفية التي تفصلهم عن القوى السياسية اللبنانية ليحللوا بحيادية أكبر. وستستكمل المفاجآت بكشف سكرتير اتحاد الطلبة والشبيبة الكلدوأشوري كالدو رمزي مثلاً أنهم يتواصلون مع عدة مجموعات طلابية حزبية في لبنان، ويزورون لبنان كل بضعة أشهر للقاء المسؤولين السياسيين المسيحيين. وفي الجلسة نفسها مع كالدو، سيعبر بعض الشباب أمام بعضهم الآخر عن الانطباعات التي حفظها كل واحد منهم إثر لقائه برئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون أو رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع.
ومن عينكاوا إلى سهل نينوى، ترسم سنابل القمح في السهول الشاسعة الطريق باتجاه كنيسة «الشهيدة بربارة» حيث النقطة الحدودية التي تفصل بين المحافظتين، فارضة على العراقي والأجنبي الاستحصال على تأشيرة دخول للانتقال من محافظة إلى أخرى. في سهل نينوى حيث تتجاوز نحو ثلاثمئة بلدة مسيحية، تتغير الطرقات عمّا كانت عليه في أربيل، تضيق فجأة ويصبح مصادفة رقعة من الزفت على الطريق أشبه بمصادفة حفرة في أي طريق آخر. وتتكثف العمارة، في منازل تتألف من طبقتين، مستنسخة جميعها بعضها عن بعض. ومن حي إلى آخر، تكاد تكون دواليب مدن الملاهي اللون الوحيد في المشهد. هنا، في مجتمع زراعي بامتياز، يكمن التجمع المسيحي الأكبر في العراق، بعد بغداد. وهنا، مرة أخرى، تحضر التجربة اللبنانية بقوة. فالمجموعات المسيحية التي نزحت بكثافة من بغداد ومدينة الموصل إلى سهل نينوى وجدت في استقبالها سكاناً يخشون من تسلل الإرهاب إلى مناطقهم، ويدفعهم عدم الثقة بالأجهزة الأمنية الرسمية إلى الاتكال على أذرعهم. هكذا، ينضوي معظم الشباب المسيحيين في ميليشيات يمول معظمها من عراقيين سريان مقربين من السلطات الكردستانية. وفي استعادة لخطاب مسيحي، عرفه اللبنانيون، يتحدث الساكنون في السهل عن رغبتهم بإدارة ذاتية تتيح لهم حكم أنفسهم بأنفسهم، مشيرين إلى افتقادهم الانسجام مع المجتمَعين الموصلي والبغدادي. فضلاً عن أن «أهل مكّة أدرى بشعابها». وتجدر الإشارة إلى أن الدستور العراقي يسمح للأقليات بتشريع الإدارة الذاتية (المادة 125)، لكن تحول سهل نينوى إلى كانتون مسيحي في العراق دونه صعوبات عدة، منها الرفض السني المطلق، تجنب الكنيسة السريانية الدخول في معركة كهذه غير مضمونة النتائج، واستغراب مسيحيي بغداد الانتقال من المدينة إلى الريف.
في المكانين، ثمة انشغال شبه استثنائي بالتجربة اللبنانية، يغذيه الاحتكاك العراقي المباشر بآلاف اللبنانيين الذين وفدوا إلى كردستان للعمل. لكن في المكانين ثمة الكثير من العتب للمرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية. فما يريده مسيحيو العراق ومسيحيو مصر ليس بيانات تضامن وشجب لما يتعرضون له، بل مساعدة عملية تعينهم على الصمود في بلدانهم. وهم يعتقدون أن مسيحيي لبنان باعتبارهم الأقرب إلى واقعهم، هم الأقدر على مساعدتهم. وفي سياق انتقادي، يستغرب أحد الموصليين احتفاظ البطريركية المارونية بعلاقاتها الوطيدة مع وزارة الخارجية الأميركية رغم ما يتعرض له السريان والأشوريون والكلدان في العراق تحت أنظار الأميركيين. ويذكر المصدر نفسه أن الكنيسة اللبنانية لم تحاول فتح آفاق جديدة لمسيحيي العراق أو الاستفادة من علاقات البطريركية لقيام حد أدنى من التنسيق بين المسؤولين في الكنيسة العراقية والمسؤولين الأميركيين. مع العلم بأن هناك شبه إجماع مسيحي في العراق على رفض اللجوء إلى الاحتلال الأميركي لطلب الحماية. ويشكو بعض العراقيين أيضاً اعتقاد بعض المسؤولين الموارنة أنهم وحدهم المسيحيون في المشرق، وعدم قيامهم في السنوات القليلة الماضية بأية مبادرات جدية لتعزيز علاقتهم وتوطيدها، سواء أكان بالكنيسة السريانية ـــــ الكلدانية ـــــ الأشورية في العراق أم بالكنيسة القبطية في مصر. إضافة إلى إدارة رأس الكنيسة المارونية ظهره لسوريا حيث التجمع المسيحي الثاني في الدول العربية، بعد مصر.
ومن البطريركية إلى الرهبانيات، يرى بعض المتابعين العراقيين لشؤون مجتمعهم أن الرهبانيات اللبنانية القوية تأخرت كثيراً في المجيء إلى عراق ما بعد الرئيس صدام حسين، رغم حاجة المناطق السريانية والكلدانية إلى المدارس والجامعات، إضافة إلى المستشفيات والنوادي وغيرها من المؤسسات الرهبانية التي نجحت في لبنان. ويستغرب أحد رجال الدين الكلدانيين في هذا السياق لجوء بعض المسؤولين الروحيين في لبنان إلى التضامن بالصلاة مع المسيحيين العراقيين والشكوى من التهجير الذين يتعرضون له، بينما هؤلاء قادرون على تقديم مساعدة جدية لمسيحيي المشرق عموماً والعراق خصوصاً، تعزز صمودهم في مجتمعهم. ويشير الأب نفسه إلى أن ضعف الكنيسة اللبنانية وترهلها يجعلها تكتفي بالبحث عن حل لمشاكل المسيحيين في بلدها، فيما المطلوب من «بطريركية أنطاكيا وسائر المشرق» العمل لأنطاكيا كلها لا لجبل لبنان فقط. ومن الروحيين إلى السياسيين، يزداد الانتقاد حدة، سواء للعماد ميشال عون الذي يطرح نفسه زعيماً للمسيحيين العرب دون تقديم رؤيته أو مشروع لمن توج زعيماً لهم، أو للقوات اللبنانية التي ترفع لواء الدفاع عن الحرية في الشرق ثم تنظم الحملات للتضامن مع الأنظمة القامعة لكل وجود حر في المنطقة من مصر إلى العراق، مروراً بالسعودية. ومرة أخرى، يرى الكاهن الكلداني أن ضعف البنية المؤسساتية في الأحزاب اللبنانية يجعلها أضعف من أن تنظر أبعد من إصبعها، فتحمي ظهرها عبر الاستفادة من علاقاتها المحلية والخارجية لتعزيز صمود المسيحيين عملياً في البلدات العربية.
في سهل نينوى، يتعلم العراقيون اليوم التحدث كمسيحيين، ويتعلمون على الطريقة اللبنانية الاستنجاد بموارنة قبرص.
________________________________________
افرام وحملات التهجير الأربع
رئيس الرابطة السريانية حبيب افرام كان من أوائل اللبنانيين الذين التفتوا إلى ما يطلقون عليهم اليوم صفة المسيحيين المشرقيين؛ صال وجال في تركيا والأردن وسوريا والعراق ومصر، مستطلعاً أوضاع المسيحيين قبل أن يعود إلى رابطته بالكثير من الأفكار والمشاهدات. خلال محاضرة له في جامعة هارفرد الشهر الماضي، لفت افرام الحاضرين إلى تعرض المسيحيين في المنطقة لأربع حملات تهجير، تحت أنظار الغرب: الأولى عام 1914، تاريخ المجازر الأرمنية ـــــ السريانية، ويومها كانت تركيا متحالفة مع ألمانيا التي غطت المجزرة. الثانية، عام 1933، حين قتل أكثر من خمسة آلاف أشوري في العراق تحت أنظار البريطانيين، الذين لم يحركوا ساكناً. الثالثة، عام 1983، أيام هجّر المسيحيون من الجبل بعدما غدر الجيش الإسرائيلي بهم. والرابعة بدأت في العراق عام 2003 في ظل لامبالاة أميركية تصل إلى حد التآمر.
العدد ١٣١١ الثلاثاء ١١ كانون الثاني ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment