Tuesday, January 11, 2011

الـدمـاء المسـيحية تـراق والعجز يلف الكنيسة من الشرق إلى روما
غراسيا بيطار
رائحة الدم المسيحي المراق في الشرق ليست وليدة اليوم. فـ«لعنة» المجازر تلاحق المسيحيين منذ ما قبل القرن التاسع عشر وربما تحديدا منذ نشوء المنظمة الصهيونية
العالمية العام 1897 والتي تأسست تحت شعار «تمكين العنصر اليهودي من تملك أرض فلسطين وقهر جيرانها الأعداء».
مسيرة طويلة لم تنته الى اليوم تعرض خلالها المسيحيون والمسلمون على السواء للإبادة على يد العنصرية الصهيونية أحيانا كثيرة... لتتطاير كل تلك الدماء وكل تلك
الهجرات «بالمفرق» للعائلات فتتهجر مرتين، تحت أنظار عالم أجنبي وعربي حمل في يده ميزان العدالة بعد أن عصب عينيه.
بين عامي 1850 و1860 ارتكبت إبان الدولة العثمانية مجازر بالجملة في حق المسيحيين في حلب ودمشق ولبنان تحت أنظار القناصل الأجانب الفرنسيين والألمان والبريطانيين
والأميركيين الذين لم يحركوا ساكنا، علما أن مذكراتهم، على ما يروي كنسيون، كانت تورد كل ما يحصل من دون أن تتضمن حتى استنكارا. واستمرت قوافل المجازر في حق
المسيحيين في الأعوام 1893 و1897 و1898 وصولا الى العام 1915 حيث كانت الذروة في ذبح المسيحيين المشرقيين في جنوب شرق تركيا وكانت النتيجة تهجير الآلاف منهم
وقتل على الأقل مليونين من المسيحيين المشرقيين الأرمن والسريان والأشوريين والكلدان وغيرهم. ورافق المشهد الدموي حقبة طويلة من العهد العثماني الى حين سقوط
دولة «الباب العالي» ونشوء الدول العربية. «اللعنة» لم تتوقف ولكنها اكتسبت شكلا جديدا حمل إسم «الطرد» أو «الإقتلاع القسري» أو «التهجير» ودائما تحت أنظار
الدبلوماسيين الأجانب من أوروبيين وأميركيين. فهاجر المسيحيون بالآلاف قاصدين السويد والولايات المتحدة وأوستراليا وكندا...
الأبواب التي فتحتها الدول الأوروبية أمام المسيحيين المطرودين من أوطانهم لم تفعل شيئا قبل وقوع المحظور والأسئلة كثيرة عن دور الدول الأوروبية بالتحديد كونها
ترفع لواء المسيحية، في حماية مسيحيي المنطقة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1850 و1915؟ وفي استمرار لل «مخطط»، ارتكبت العام 1933 في العراق مجزرة كبيرة في
حق الأشوريين واستعمل البريطانيون حينها الجيش العراقي لقتل الآلاف منهم وتهجير الجزء الأكبر منهم الى سوريا. علما أن «قسما منهم استقبلتهم فرنسا بالرصاص، وفق
كنسيين ضالعين في التاريخ المسيحي، فقتلتهم لدى عبورهم نهر دجلة». ناهيك عن الإحتلال الأميركي للعراق وانهمار المجازر والمذابح على رؤوس المسيحيين والمسلمين
في بلاد الرافدين . وسرعان ما تكشف بأن هذا التزوير تم بمباركة أوروبية ففي أوروبا اليوم «لا نجد أوروبيا واحدا يعتقد بأن المسيح صلبه اليهود وإنما ما بات يسيطر
على قاعدة إيمان مفادها أن السلطة الرومانية هي التي صلبت المسيح وان اليهود هم أبرياء من هذا الأمر خصوصا بعد إعلان المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني قرار
تبرئة اليهود من دم المسيح».
في المحصلة «تبدو درجة المسؤولية الغربية من أميركية وأوروبية عن إهراق الدم المسيحي متوازية، بسبب ظهور عدد كبير وبالمئات من الكنائس المصطنعة التي خلقتها
الصهيونية العالمية أو التوراتية لإجلاء المسيحيين من الشرق الأوسط وتشريدهم في الكون وقتل الفكر المسيحي المشرقي الذي ما زال يؤمن بأن اليهود هم من صلب المسيح
ولا يمكن بالتالي توريتهم بهذا الشكل».
أمام هذا الواقع المسيحي الذي يسطره المسيحيون بدم شهادتهم وقهر هجرتهم، يرى الأب العراقي سهيل قاشا أن «المسؤولية متفرعة وتقع على الكنيسة والدولة والدول التي
تستقبل المهاجرين حيث يكمن الحل بألا تستقبلهم فتعمل الحكومات المحلية على حماية ابنائها للحد من هجرتهم فضلا عن المسؤولية التي تقع على المسيحيين أنفسهم وعلى
المسلمين الذين عليهم أن يتخلوا عن خطاب التعصب الأعمى والعودة الى المحبة». ويشدد على قيمة كبرى تتمثل بـ« قبول الآخر خصوصا أنه لا وجود في التاريخ لحقد دفين
بين الإسلام والمسيحية». ويورد المثل الساطع في التاريخ العراقي: «لم يسجل أي صدام بين المسيحيين والمسلمين بل على العكس يسجل تاريخ العراق بأنهم عاشوا أخوة
وتشاركوا الأسماء والتقاليد والأماكن والعيش الواحد ولم تنقلب هذه الآية إلا بعد دخول الأميركيين وفي يدهم الفتنة بين السنة والشيعة وبين العرب والأكراد والتركمان
وغيرهم...». إنها سياسة المستعمر «فرّق تسد» والتي يرى قاشا أنها تمتد من العراق الى مصر وبقية الدول العربية.
لكن ما الذي بإمكان الكنيسة أن تفعله؟
البعض يرى أنها تقوم بأكثر من قدرتها في عالم تسوده شريعة القوي، من خلال رفع الصلوات والابتهال الى الله. بينما يرى البعض الآخر أنها غارقة في التقصير لأن
الصلاة لا تكفي «فالله يقول منك الحركة ومني البركة». والى فئة المنتقدين ينتمي الأب العراقي الذي زاده جرح بلاده النازف حسما في التعليق: «إن رفع الصلوات من
مجلس المطارنة الموارنة أو غيره من المؤسسات الدينية لا يصغي اليه الله إلا إذا أتى من قلوب صافية نقية وليست من باب المجاملات وبالكلام الفارغ».
النقمة على العجز الكنسي لا تقتصر على الشرق وإنما تصل الى روما. فصحيح أن بعض كتب التاريخ تحدثت عن مصرع البابا يوحنا بولس الأول على يد اليهود لأنه بارك المقاومة
في القدس، لكن مراجع أخرى تنفي هذا الأمر محيلة وفـاته اللغز الى إعلانه عن عزمه فتح كل ملفات الفاتيكان القديمة. ولعل إقتراح الأب قاشا يبدو كأعجوبة إن تحقق.
فماذا لو أقدم البابا الحالي بنديكتوس السادس عشر بصفته رئيس الكنيسة الأول على تنظيم إعتصام يكون هو في مقدمه ويشارك فيه لفيف من بطاركة الشــرق وينـفذ أمــام
مجلس الأمن في الأمم المتحدة؟ وماذا لو ملأ العلماء المسلمون والكهنة المسيحيون شوارع العالم احتجاجا إنطلاقا من الآية التي توصيهما بكلمة «سواء»؟
إقتراحات قد تحتاج الى «أعجوبة» لتتحقق ولكنها أيضا تدخل الشرق، بمسيحييه ومسلميه، زمن الأعاجيب فيما لو تحققت.
السفير 11 كانون الثاني 2011

No comments:

Post a Comment