المعيار المزدوج يزاوج واشنطن والإسلام السياسي
جان عزيز
المؤكد أنه لا واشنطن ولا المنطقي المركزي للإسلام الحركي السياسي قادران على التفلّت من تهمة اعتماد المعايير المزدوجة في الممارسة السياسية. والأهم أن الطرفين
يدفعان ثمن تلك الازدواجية، ويدفّعان العالم ثمنها. خير دليل على هذا الواقع المتبادل، قضية السودان.
من جهة الولايات المتحدة الأميركية أولاً، تبدو المسألة أكثر حداثة. ففي مطلع آذار 2009، أصدرت محكمة الجزاء الدولية مذكرة لاعتقال الرئيس السوداني عمر البشير،
وذلك للاشتباه في كونه متورطاً بنحو غير مباشر في جرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في إقليم دارفور السوداني. وبدأت للتو عملية حصار سياسي دولي للبشير ونظامه، بدا
واضحاً أن واشنطن خلفها، لا بل كانت تدأب على تشديد مفاعيلها، ما جعل المحكمة نفسها تضيف إلى شبهة الاتهام بجرائم ضد الإنسانية شبهة التورّط في جرائم إبادة
في 12 تموز الماضي.
هنا تكمن أصلاً قصة ازدواجية أميركية سابقة، هي في الواقع حكاية العلاقة بين واشنطن ومحكمة الجزاء الدولية. فالكل يعلم أن هذا الإطار القضائي الدولي انبثق من
«نظام روما» الموقّع في عام 1998، والذي أقرّ وضع المحكمة موضع التنفيذ، بدءاً من تموز 2002. ومنذ لحظة إقرارها، رفضت واشنطن الانضمام إلى نظام هذه المحكمة،
إذ ظلّت ترى أن الصلاحية الدولية و«الخارج ـــــ حدودية» لقضائها الوطني تتعارض مع نظام روما. لكن المستغرب والمستهجن أكثر أن واشنطن بذلت كل جهد ممكن لمنع
الدول الأخرى من الانضمام إلى «نظام روما»، وبالتالي من الدخول في «شراكة» محكمة الجزاء الدولية. حتى إنها دخلت في سلسلة من النزاعات البينيّة مع عدد كبير من
الدول المنضوية، مستخدمةً كعادتها أسلحة الضغوط المالية والاقتصادية، حتى توصلت إلى صيغة تسووية، تمثّل نموذج المعيار المزدوج بامتياز، وهي صيغة تغاضيها عن
أي دولة صديقة لها تنضمّ إلى المحكمة الدولية بشرط أن توقّع معها معاهدة ثنائية جانبية، تتعهّد بموجبها الدولة المنضوية أن تستثني مواطني واشنطن من أي ملاحقة
لهم في إطار محكمة الجزاء الدولية. وهو الواقع الذي جعل لبنان، على سبيل المثال، يتجنّب الانضمام إلى نظام روما منذ 13 عاماً. وهو ما زجّه لاحقاً ـــــ فضلاً
عن أسباب وسياقات أخرى ـــــ في مأزق المحكمة الخاصة باغتيال رفيق الحريري...
سلوك المعيار المزدوج لواشنطن حيال نشوء المحكمة الجزائية الدولية لم يمنعها في الحالة السودانية من التصرّف وفق المعيار المزدوج نفسه لاستثمار مذكرة التوقيف
الدولية في حق البشير. فبعد عام ونيّف من الضغوط الغربية والدولية، انهار النظام السوداني. وكما كل نظام ديكتاتوري يحشر بين أن يدفع الثمن للخارج مقابل استمراره
في السلطة، أو أن يعيد سلطته إلى ناسه فيدفع ثمن الديموقراطية، فضّل الخيار الأول. هكذا في 12 تموز صعّدت المحكمة تهمتها ضد البشير. وفي منتصف أيلول الماضي،
أي بعد شهرين فقط، كان الموفد الأميركي سكوت غريشن في الخرطوم لبحث ترتيبات الانفصال، وذلك بعد أيام فقط على لقاء دولي في نيويورك، برعاية أوباما، ومشاركة كل
ملاحقي البشير، أقرّ صفقة الانقسام مقابل الاتهام... فيما الكلام عن خلفية المصالح الاقتصادية النفطية والغازية تزكم أنوف كل المعنيين بالقضية.
في المقابل، سلوك المعيار المزدوج لدى المؤسسة الرسمية للإسلام السياسي المركزي لا يبدو أقل بداهة. يكفي للدلالة عليه كل المواقف الإسلامية من ظاهرة تفكّك الدول
الاتحادية منذ أواخر الثمانينيات حتى الأمس القريب. ذلك أن هذا الفكر الإسلامي المركزي اعتمد منطق المعيار المزدوج حيال كل أزمة تكون طرفاً فيها جماعة إسلامية.
فحيث يكون المسلمون أكثرية، يرفع هذا الفكر منطق الأحادية اليعقوبية ووحدة الدولة والسلطة والمجتمع، وفق المفاهيم السوسيولوجية للفكر الفاشي. وحيث يكون المسلمون
أقلية، يبادر هذا الفكر نفسه إلى رفع مقولات «حق تقرير المصير» وهويات الجماعات. هكذا حصل مع الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفياتي السابق، ومع يوغوسلافيا
السابقة... وصولاً إلى حالة كوسوفو في شباط 2008، علماً بأن الحالة الأخيرة مثّلت نموذجاً للخروج عن ميثاق الأمم المتحدة، وتواطؤاً كما كل الحالات السابقة مع
السياسة الأميركية نفسها، وسط وثائق عن حملات تسويق بمئات ملايين الدولارات لزّمتها إلى مكاتب لوبي أميركية مؤسسات الفكر الإسلامي السياسي، لتحقيق تلك الانفصالات
وقيام تلك الدول.
إزاء هذه الظاهرة من التحالفات الموضوعية بين نماذج التطرف الليبرالي من جهة، والتطرف «الإسلاموي» من جهة أخرى، يفقد الاثنان الحق الأدبي في الاعتراض، ويدفعان
معاً الفارابي ودو توكفيل، إلى الانتحار...
العدد ١٣١١ الثلاثاء ١١ كانون الثاني ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment