Sunday, July 4, 2010

الإنفاق الإضافي في عهد حكومتي السنيورة خارج القاعدة الإثني عشرية غير قانوني
«الدولية للمعلومات»: البحث عن 11 مليار دولار أم محاكمة مرحلة؟

«نريد تفسيراً للأحد عشر مليار دولار التي صرفت من خارج إطار القاعدة الإثني عشرية». هذا ما صرّح به رئيس مجلس النواب نبيه بري في قصر بعبدا في 2 حزيران إثر
لقائه الأسبوعي مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وشكّل الانطلاقة لتصريحات وردود لم تنتهِ، بالرغم من أنّ هذا الكلام ليس بجديد بل سبق وأشار إليه وزير الاتصالات
شربل نحاس وكذلك فعل العماد ميشال عون. وفقدان «هذه الأموال شكّل أحد الأسباب التي تحول ظاهرياً دون إقرار موازنة عام 2010 قبل قطع حساب موازنات الأعوام2004
ـ 2008 .
كلام بري استتبع رداً من وزير المال السابق جهاد أزعور، تساءل فيه «من أين جاء برقم 11 مليار دولار؟» جازماً أنه «لم تكن هناك أي مخالفة لقانون المحاسبة العامة
في عملية إدارة الموازنة»، معتبراً أنه تم صرف 3ـ4 مليارات دولار من اعتمادات مدوّرة، يضاف إليها أمور أساسية مثل خدمة الدين والصرف على الكهرباء، وبلغت 4 مليارات
دولار، «أي أنّ الفارق والإنفاق الإضافي هما نحو 3 مليارات دولار وليس 11 مليار دولار». مكتب الرئيس بري رد على السنيورة من خلال أزعور، مفنداً الإنفاق بالأرقام،
ما استتبع رداً من مكتب الرئيس فؤاد السنيورة «رافضاً فيه الانجرار إلى سجالات عبر وسائل الإعلام، معتبراً أنّ المكان المناسب لمناقشة هذه المواضيع هو المجلس
النيابي» مشيراً إلى أنّ «جميع المعلومات والأرقام والمبالغ وأوجه إنفاقها منشــورة على الموقع الالكتروني لوزارة المال».
بعد أكثر من عشرة أيام على اندلاع هذا السجال ردت وزارة المالية، وهي المعنية أساساً بهذا الموضوع، يوم الأحد في 13 حزيران ببيان يوضح تفاصيل الإنفاق العام
وأبوابه من خلال الأرقام. واعتبر البيان أنّ الـ11 مليار التي أُنفقت «كانت ضمن القوانين واستهدفت تسيير أمور الدولة»، «وأنه كان إنفاقاً وفق القوانين والأعراف
المالية المرعية الإجراء، بما في ذلك استناداً لقانون المحاسبة العمومية والقوانين الخاصة التي أجازت الإنفاق». مع الإقرار بالظروف الصعبة التي واجهها لبنان
خلال الأعوام 2006 ـ2009.
بعيداً عن المواقف والاعتبارات السياسية التي تستخدم قضية موازنة عام 2010 وقطع حساب موازنات الأعوام الماضية، هل المسألة هي قطع حساب أم استهداف للمرحلة الماضية
ولحكومة الرئيس فؤاد السنيورة تحديداً، أم هي مواقف تريد تصحيح الخلل في المالية العامة والحد من انفلاش الدين العام؟ أين هي الحقيقة، وما هي النصوص الدستورية
والقانونية التي ترعى موضوع الموازنة؟
الموازنة في الدستور
تنص المادة 83 من الدستور على الآتي «كل سنة في بدء عقد تشرين الأول تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة ويقترع على
الموازنة بنداً بنداً».
وتنص المادة 32 من الدستور على «....... والعقد الثاني (لمجلس النواب) يبتدئ يوم الثلاثاء الذي يلي الخامس عشر من شهر تشرين الأول وتخصص جلساته بالبحث في الموازنة
والتصويت عليها قبل كل عمل آخر وتدوم مدة هذا العقد إلى آخر السنة».
وتنص المادة 86 من الدستور على «إذا لم يبت مجلس النواب نهائياً في شأن مشروع الموازنة قبل الانتهاء من العقد المعين لدرسه فرئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس
الحكومة يدعوان المجلس فوراً لعقد استثنائي يستمر لغاية نهاية كانون الثاني لمتابعة درس الموازنة، وإذا انقضى العقد الاستثنائي هذا ولم يبت نهائياً في مشروع
الموازنة فلمجلس الوزراء أن يتخذ قراراً، يصدر بناء عليه عن رئيس الجمهورية، مرسوم يجعل بموجبه المشروع بالشكل الذي تقدم به إلى المجلس مرعياً ومعمولاً به.
ولا يجوز لمجلس الوزراء أن يستعمل هذا الحق إلا إذا كان مشروع الموازنة قد طرح على المجلس قبل بداية عقده بخمسة عشر يوماً على الأقل.
على أنه في مدة العقد الاستثنائي المذكور تجبى الضرائب والتكاليف والرسوم والمكوس والعائدات الأخرى كما في السابق وتؤخذ ميزانية السنة السابقة أساساً ويضاف
إليها ما فتح بها من الاعتمادات الإضافية الدائمة ويحذف منها ما أُسقط من الاعتمادات الدائمة وتأخذ الحكومة نفقات شهر كانون الثاني من السنة الجديدة على القاعدة
الإثني عشرية».
الوقائع
أقرّ مجلس النواب في جلسته يوم 30 كانون الثاني 2006 قطع حساب موازنة عام 2003 وصدر بذلك القانون رقم 716 تاريخ 3 شباط 2006 وأقرّ بعد ذلك، وفي الجلسة ذاتها
قانون موازنة عام 2005 وصدر بذلك القانون رقم 715 تاريخ 3 شباط 2006 وكانت هذه آخر موازنة تُقرّ بصورة قانونية، إذ استمر الإنفاق والجباية منذ ذلك الحين وفقاً
للقاعدة الإثني عشرية، وذلك نتيجة للوضع السياسي القائم وعدم انعقاد مجلس النواب، وقد صدر القانون رقم 717 تاريخ 3 شباط 2006 بإجازة جباية الواردات كما في السابق
وصرف النفقات اعتباراً من أول شباط 2006 ولغاية صدور قانون موازنة 2006 على أساس القاعدة الإثني عشرية.
وهنا حصلت بداية المشكلة، فاعتماد الإنفاق أو الجباية وفقاً للقاعدة الإثني عشرية يكون لأشهرٍ معدودة، بانتظار إقرار الموازنة، وليس لسنوات كما حصل الآن، وبالتالي
فمن غير الممكن في ظل التطورات الأمنية والعسكرية، لا سيما حرب تموز2006 ، أن يكون الإنفاق في الأعوام 2006 و2007 و2008 و2009 مماثلاً للإنفاق في عام2005، لأنّ
الإنفاق حتماً سيرتفع بخاصة في ظل عدم انعقاد مجلس النواب لإقرار قوانين فتح اعتمادات إضافية، ما أدى إلى الفارق الكبير في النفقات، كما كان يجب أن تكون وفقاً
للقاعدة الإثني عشرية على أساس موازنة عام 2005 ، وما أُنفق فعلياً من دون سند قانوني. كما أنّ الحكومة لم تُحل على المجلس أياً من موازنات الأعوام 2006 و2007
و2008 و2009 قبل 15 يوماً من موعد بدء عقد تشرين الأول، وبالتالي لا تستطيع إصدار مشروع قانون الموازنة بمرسوم، كما تجيز لها المادة 86 من الدستور.
فمشروع قانون موازنة عام 2006 أحيل على مجلس النواب بموجب المرسوم النافذ حكماً رقم 40 تاريخ 22 شباط 2007.
ومشروع قانون موازنة عام 2007 أحيل على مجلس النواب بموجب المرسوم النافذ حكماً رقم 403 تاريخ 13 حزيران 2008.
ومشروع قانون موازنة عام 2008 أحيل على مجلس النواب بموجب المرسوم النافذ حكماً رقم 977 تاريخ 24 تشرين الثاني 2007.
ومشروع قانون موازنة عام 2009 أحيل على مجلس النواب بموجب المرسوم 2364 تاريخ 20 حزيران 2009.
وهنا يأتي السؤال لماذا لم تراعَ المهل الدستورية لإحالة الموازنات ولماذا تنازلت الحكومات المتعاقبة عن تطبيق أو تفعيل المادة 86؟
الواقع بالأرقام
تبعاً لقانون موازنة عام 2005 فقد قُدِّرت النفقات بـ 10 آلاف مليار ليرة، أما النفقات الفعلية (من دون صدور قانون قطع الحساب وهي بالتالي غير نهائية) فقد بلغت
10,203,275,000,000 ليرة، أي أنّ مجموع الإنفاق وفقاً للقاعدة الإثني عشرية، في السنوات 2006 و2007 و2008 و2009، يجب أن يكون 40,813 مليار ليرة مضافاً إليها
قيمة النفقات التي أقرت بقوانين والمقدَّرة قيمتها بنحو 1,000 مليار ليرة ليصل المجموع إلى 41,813 مليار ليرة، في حين أنّ المبالغ التي أُنفقت خلال فترة السنوات
الأربع بلغت 56,590 مليار ليرة (موزّعة تبعاً للسنوات كما في الجدول رقم 1 مقارنة مع النفقات المقدَّرة في مشاريع قوانين الموازنة التي لم تُقرّ). وبالتالي
فإنّ الفارق هو 14,777 مليار ليرة أي نحو 9.8 مليارات دولار وليس 11 مليار دولار.
أين يكمن الفرق: خدمة الدين العام والكهرباء
إنّ الفارق بين النفقات التي كان يجب أن تُنفق في الأعوام 2006 ـ2009 ، استناداً إلى القاعدة الإثني عشرية ونفقات عام 2005 وما أنفق فعلياً بعد إضافة النفقات
التي تمت بقوانين (لا سيما زيادة الرواتب والأجور والمفعول الرجعي لهذه الزيادة) الذي بلغ 14,777 مليار ليرة، ومرد هذه الزيادة في الإنفاق التي تخالف القاعدة
الإثني عشرية، هما زيادة في الإنفاق في عدة أبواب، من أبرزها خدمة الدين العام والكهرباء والهيئة العليا للإغاثة.
فقد بلغت نفقات خدمة الدين العام عام 2005 مبلغ 3,534 مليار ليرة، أما النفقات التي دُفعت خلال الأعوام 2006ـ2009 فقد بلغت 20,888 مليار ليرة، في حين أنّ المبلغ
كان يجب أن يكون 14,137 مليار ليرة أي بزيادة بلغت 6,751 مليار ليرة ما يمثِّل نسبة 45.7% من الزيادة في الإنفاق.
ويبيِّن الجدول رقم 2 الزيادة في الإنفاق على خدمة الدين العام مقارنةً مع الإنفاق عام 2005.
الباب الآخر الذي شهد زيادة في الإنفاق هو كلفة الكهرباء، فالمبلغ الذي أُنفق عام 2005 بلغ 1,150 مليار ليرة، أي ما يُفترض أن يصل إلى 4,600 مليار ليرة خلال
فترة الأعوام 2006 ـ 2009 لكن المبلغ الذي أُنفق خلال هذه الفترة بلغ 7,538 مليار ليرة (وفق ما هو مبيَّن في الجدول رقم 3) أي بزيادة بلغت 2,938 مليار ليرة
وما يشكِّل نسبة 20% من الزيادة في الإنفاق عن عام 2005.
أي أنّ الزيادة في الإنفاق على الكهرباء وخدمة الدين العام بلغتا 9,689 مليار ليرة، فيكون الفارق هو 5,088 مليار ليرة، وهذا هو المبلغ الذي يجب أن يكون موضوع
بحثٍ وتقصٍ . هل أُنفق في حرب تموز كإغاثة وتعويض عن الأضرار أم لتمويل التضخم في القوى الأمنية أم لمشاريع أخرى؟
وتبيِّن أرقام وزارة المالية أنّ الإنفاق على الهيئة العليا للإغاثة بلغ 700 مليار ليرة، والإنفاق على البلديات بلغ نحو 1,700 مليار ليرة، والإنفاق على الصندوق
المركزي للمهجرين بلغ 180 مليار ليرة، والإنفاق على مجلس الجنوب بلغ 90 مليار ليرة، ودعم الفوائد المدينة بلغ 352 مليار ليرة، وردّيات الضريبة على القيمة المضافة
وضرائب أخرى بلغت 1,158 مليار ليرة أي ما مجموعه نحو 4,200 مليار ليرة، لكن الوزارة لا تبيِّن حجم الزيادة في هذه النفقات مقارنةً مع عام 2005، كي نستطيع احتساب
الزيادة الفعلية، من هنا فإن البحث يجب أن يكون حول كيفية إنفاق مبلغ في حده الأدنى يبلغ نحو ألف مليار ليرة ليصل في حده الأقصى إلى 5 آلاف مليار ليرة فكيف
أُنفق هذا المبلغ؟
لا يختلف اثنان على أنّ الإنفاق الإضافي الذي حصل في عهد حكومتي السنيورة خارج القاعدة الإثني عشرية، هو إنفاق غير قانوني، ومخالف لمبادئ الإدارة المالية القانونية،
لكن يجب أيضاً الاتفاق والإقرار أنّ عدم إقرار الموازنة العامة في مجلس النواب لأربع سنوات هو أيضاً عمل مخالف لفكرة وجود الدولة في أساسه، قبل أن يكون مخالفاً
للقانون والدستور. فخلال الحرب اللبنانية كان يتم إقرار الموازنة موازنتين العامين 1986 ـ 1987و 1988 ـ 1989حيث اعتمدت القاعدة الإثني عشرية.
ملاحظة: تبعاً لوزارة المالية لم يُلحظ عام 2005 أية مبالغ للكهرباء، على أساس أن تُدفع عند توجبها بموجب سلف خزينة، وتسجَّل ديناً على المؤسسة، لكن المبلغ
الذي دُفع عام 2005 هو 1,150 مليار ليرة وهو الذي يجب الاستناد إليه للمقارنة بين نفقات الأعوام 2006 ـ 2009 وعام 2005.
[ ينشر بالتزامن مع مجلة «الشهرية» التي تصدرها «الدولية للمعلومات» شهرياً.
السفير

No comments:

Post a Comment