Friday, July 9, 2010

تنويم مشروع الموازنة مجدداً
سعد الحريري في تونس الشهر الماضي (زبير سويسي ــ رويترز)
عقدة الـ11 مليار دولار تؤخّر إحالته على المجلس النيابي
لم يتسلّم المجلس النيابي مشروع قانون موازنة عام 2010 حتى الآن، على الرغم من مضي نحو 3 أسابيع على إقراره معدّلاً في مجلس الوزراء... غابت الأصوات التي كانت تتهم الراغبين في مناقشة المشروع بالعمل على تأخير إقراره. لم يعد هناك من يلحّ على الإسراع، بل إن البعض بات يتحدّث عن إقرار هذا المشروع باعتباره من الإنجازات «المهمّة» التي سجّلتها الحكومة
أقرّ مجلس الوزراء في جلسته في 18 حزيران الماضي مشروع قانون موازنة عام 2010، وذلك بعد مناقشات استغرقت 9 جلسات على مدى 5 أسابيع متتالية، وأفضت إلى إدخال تعديلات أساسية ومهمّة عليه، لكنها ليست جذرية، ولا سيما لجهة اعتماد مبدأ شمولية الموازنة باستثناء أمانات البلديات، وإسقاط بعض المواد «الملغومة» التي تقدّم هدايا بمليارات الدولارات للشركات العقارية والمصارف وغيرها عبر خفض الضريبة على إعادة تقويم أصولها إلى 3% فقط...
يومها، أي في الجلسة الأخيرة من جلسات مناقشة المشروع، كان الاتفاق على أن تُعدّ وزيرة المال ريا الحسن الصيغة النهائية المعدّلة قبل أن تحيلها مجدداً على الأمانة العامّة لمجلس الوزراء لكي توزعها الأخيرة على الوزراء لقراءتها قراءة نهائية، وإذا لم تكن هناك أي ملاحظات أو اعتراضات، يُوقَّع مرسوم إحالة مشروع القانون على المجلس النيابي لكي تباشر اللجان النيابية المختصّة بدرسه تمهيداً للتصديق عليه في الهيئة العامّة قبل العطلة النيابية المفترضة في آب المقبل!
جاء هذا الاتفاق بديلاً من عقد جلسة إضافية لمجلس الوزراء، بذريعة كسب الوقت وعدم إطالة النقاش، وبهدف منع بعض الوزراء من العودة إلى طرح تعديلات أو مواد جديدة... وكانت الأجواء حينها توحي بأن وزيرة المال ستنهي مهمّتها في غضون أسبوع فقط وينتهي الأمر. إلا أن الأسبوع الثالث انقضى، وحتى الآن لم يظهر بعد أي أثر للمشروع؛ فلا الوزراء تلقّوا الصيغة النهائية، ولا مرسوم إحالة المشروع على المجلس النيابي وُقِّع، ولا الأصوات التي تعالت في مواجهة إصرار بعض الوزراء على تعديل المشروع وتوجّهاته السياسية عادت لتتهم فريقاً أو آخر بتعطيل إمرار الموازنة لغاية في نفس يعقوب!
ساد الصمت إلى حدّ التواطؤ، لكن الاحتفالات بإنجاز مشروع الموازنة مستمرة! ولا تكاد تخلو البيانات والتصريحات والخطب والمقالات من واجب تقديم التهنئة بهذا الإنجاز «العظيم»، من دون أن يستدرك أحد ليسأل: أين أصبح المشروع؟ ولماذا تنويمه مجدداً؟ ولأي غرض؟ وما هي العقد التي تعترض سبيل الإفراج عنه؟ ومن يتحمّل مسؤولية هذا التأخير الإضافي؟ ولماذا تقوم القيامة إذا تجرّأ أحد ما على المناقشة وإبداء الرغبة في التغيير، ولو البسيط، فيما الصمت يصبح سيّد الموقف في كل مرّة يتعمّد رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وفريقه التأخير والاستهتار وتجاوز الأصول؟
أين «الجوقة» المعروفة التي كانت تتهم البعض بعرقلة إمرار المشروع؟
بحسب مصادر مطّلعة، فإن التأخير هذه المرّة يتصل بالعجز عن إيجاد مخرج مقبول «قانوناً» لعقدة الـ11 مليار دولار التي أُنفقت من خارج القاعدة الاثني عشرية في ظل حكومات الرئيس السنيورة بين عامي 2006 و 2009. وتفيد المعلومات بأن وزارة المال لم تنجز حتى الآن الحسابات المالية عن تلك السنوات، وذلك بطلب من السنيورة نفسه الذي يرفض أن يتحمّل مسؤولية هذا الانتهاك الفاضح للدستور والقوانين المرعية الإجراء التي تنظم إدارة المال العام وكيفية التصرّف به... ولا تزال اللجنة الوزارية التي تألفت لإيجاد المخرج عاجزة عن إيجاد نص واحد يمكن استخدامه لإبراء ذمة السنيورة ووزيري المال السابقين جهاد أزعور ومحمد شطح.
وبانتظار إيجاد «المخرج السحري»، أصبح مشروع قانون الموازنة متأخّراً 9 أشهر عن موعد تقديمه الدستوري؛ فالمادة 83 من الدستور نصت بصراحة على أنه في «كل سنة، في بدء عقد تشرين الأول، تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة المقبلة ويقترع على الموازنة بنداً بنداً»... إلا أن الحكومة الحالية، التي صدرت مراسيم تأليفها في 9 تشرين الثاني من عام 2009، لم تتسلّم مشروع قانون معدّ من الحكومة السابقة برئاسة فؤاد السنيورة، فتعهدت في بيانها الوزاري «التقدم من المجلس النيابي بمشروع موازنة لعام 2010 يجسد التوجهات الواردة في هذا البيان، في مهلة أقصاها نهاية كانون الثاني 2010».
انقضت المهلة المحددة في البيان الوزاري، ولم تتقدم الحكومة بالمشروع، بل إن الحريري والحسن كانا يتصرّفان كأنهما ليسا مستعجلين لإنجاز هذه المهمّة، وعمدا إلى محاولة انتزاع التوافق السياسي على زيادة الضريبة على القيمة المضافة إلى 15% من دون تبريرات مقنعة، إذ إن الفائض في حساب الخزينة العامّة كان قد بلغ مستويات قياسية (10100 مليار ليرة)، وعندما فشلا بذلك، عمدا إلى إطالة التفاوض من خلال طرح خفض الزيادة إلى 12%، ثم عمدا إلى استبدال هذا الطرح بآخر يقضي بانتزاع موافقة الجميع على اعتماد الخصخصة تحت اسم الشراكة مع القطاع الخاص بهدف إيجاد قنوات جديدة لمعالجة فائض السيولة لدى المصارف. وعندما حصلا على هذا التوافق بعدما تقدّم النائب علي حسن خليل باقتراح قانون في هذا الشأن، أحالت وزيرة المال مشروع الموازنة على الأمانة العامّة لمجلس الوزراء في منتصف نيسان الماضي، أي بتأخير أكثر من 3 أشهر عن المهلة التي تعهدت بها الحكومة في بيانها الوزاري.
ساد الاعتقاد أن الأمور تيسرت، وأصبحت بالإمكان العودة إلى الانتظام بعد فراغ طويل بقيت الدولة في ظلّه من دون قانون للموازنة طوال 5 سنوات. إلا أن بعض الظن إثم، فلم يُدعَ مجلس الوزراء إلى بدء مناقشاته للمشروع إلا بعد شهر تقريباً من خروجه من وزارة المال!
يومها تقدّم رئيس لجنة المال والموازنة النيابية النائب إبراهيم كنعان بسؤال إلى الحكومة يطالبها بتقديم تبريراتها لهذا التأخير، إلا أن رئيس الحكومة لم يجب حتى الآن، مخالفاً بذلك الأصول التي تفرض عليه الإجابة في مهلة أقصاها 15 يوماً من تاريخ تقديم السؤال... ما عدا ذلك لم تهتم «الجوقة» المعروفة بالبحث عن أسباب هذه المسيرة البطيئة جداً لمشروع الموازنة، إلى أن تحرّكت لتتهم فريقاً بالعمل على تعطيل هذا المشروع يوم بدأ مجلس الوزراء بمناقشاته وقدّم وزير الاتصالات ورقته الداعية إلى إعادة دور الموازنة بوصفها أداة لترجمة سياسات الحكومة في شتّى المجالات، داعياً إلى تغيير المسار نحو بناء اقتصاد قادر على توليد فرص العمل بدلاً من تشجيع الهجرة وإلى إحداث تعديلات جوهرية في النظام الضريبي نحو تكليف الريوع بالعبء بدلاً من ميزانيات الأسر والمؤسسات.
عادت «الجوقة» إلى الصمت «المبرمج»، لكن مشروع الموازنة عاد لينام في الأدراج، فهل هناك من يرغب بتفسير؟
(الأخبار)
________________________________________

56690 مليار ليرة
هو مجموع الإنفاق المحقق خلال الأعوام من 2006 إلى 2009 مقارنة بمجموع الاعتمادات التي أقرت بموجب قانون موازنة عام 2005، التي بلغت 10000 مليار ليرة، منها 3900 مليار جرى لحظه كخدمة دين
________________________________________

التجاوز في الإنفاق العام
الإنفاق الحاصل بين عامي 2006 و2009 ضمناً يطرح مسألتين جوهريتين: الأولى تتعلق بمدى دستورية وقانونية اعتماد القاعدة الاثني عشرية خلال السنوات المذكورة، والثانية تتعلق بمدى قانونية التجاوز الحاصل في الإنفاق خلال هذه السنوات. فتطبيق القاعدة الاثني عشرية وفق الدستور ينطبق على شهر كانون الثاني من سنة الموازنة فقط. أما اعتماد القاعدة نفسها للإنفاق خلال الأشهر اللاحقة، وإلى حين بتّ مشروع الموازنة، فيستوجب قانوناً خاصاً لهذه الغاية يصدر شهراً فشهراً أو عن الفترة بكاملها، وهذا ما لم يحصل قط. بناءً على ذلك، يكون الإنفاق مفتقراً إلى السندين الدستوري والقانوني.

عدد الجمعة ٩ تموز ٢٠١٠
الاخبار

No comments:

Post a Comment