تفادي الاقتراض غير المبرر
هل تنطلق جهود «الحساب الموحد» على زمن الوزيرة ريا الحسن؟ (هيثم الموسوي)
حساب الخزينة الموحّد يجمع الأموال المشرذمة
يوصي صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير عن لبنان بضرورة اعتماد حساب موحّد للخزينة لتحسين إدارة المالية العامّة. وفي دراسة حديثة صدرت عنه، يؤكّد أهميّة تحقيق هذا الهدف في البلدان النامية لضمان «إدارة ماليّة فعالة وسيطرة على توازن الحسابات». وكلّ ذلك يرتبط طبعاً «بالإرادة السياسيّة»
حسن شقراني
كثيرة هي البلدان النامية والمنخفضة الدخل التي تعاني من المعاملات المصرفيّة المجزّأة على صعيد الماليّة العامّة، وهذا الأمر يعوق تحقيق الفعاليّة في إدارة السيولة ويخفض مستوى السيطرة ونوعية الإدارة لتوازن الحسابات. ويصبح رائجاً أن يكون للوزارات والإدارات العامّة حسابات مختلفة في المصارف التجاريّة تقبع من دون استغلال رشيد.
انطلاقاً من هذا الواقع، تدعو دراسة نشرها صندوق النقد الدولي أخيراً إلى إنشاء حساب موحّد للخزينة الذي «يهدف أساساً إلى سيطرة كليّة فعالة على توازن حسابات السيولة الخاصّة بالحكومة».
وتقول الدراسة المعنونة بـ«حساب الخزينة الموحّد: مسائل المفهوم والتصميم والتطبيق»، إنّ الحساب المذكور يحسّن إدارة السيولة من خلال «تجنّب الاقتراض وتكبّد أكلاف إضافيّة لتمويل النفقات في بعض الإدارات، فيما تحافظ إدارات أخرى على توازن مثالي في حساباتها المصرفيّة».
وتعدّ الإدارة الفعالة للسيولة، وفقاً للدراسة، أساسيّة لتحقيق «الإدارة النقديّة وتلك الخاصّة بالموازنة». ومن بين الأهداف الأخرى التي تحقّقها، يبرز «التنفيذ الجيّد والفعّال للموازنة من خلال خفض أكلاف» وكذلك «الرقابة على واردات الحكومة في المصارف المعنيّة».
إضافة إلى ذلك، هناك مسألة «المواءمة بين البيانات المصرفيّة والمحاسبيّة، والسيطرة والرقابة الفعالتين على الأموال المرصودة لمختلف الإدارات الحكوميّة وتسهيل اعتماد تنسيق أفضل على صعيد تطبيق السياسة النقديّة».
وكان صندوق النقد قد تحدّث عن حاجة لبنان إلى الحساب الموحّد في التقرير الذي أعدّته بعثته الاستشاريّة التي زارت البلاد في حزيران الماضي. وقال التقرير إنّ «هناك حاجة إلى تقوية المؤسّسات الماليّة (الحكوميّة) لدعم الاستراتيجيّة المتوسّطة المدى» التي يقدّمها التقرير لجعل النموّ الاقتصادي مستداماً.
هناك حاجة لتقوية المؤسّسات الماليّة (الحكوميّة) لدعم الاستراتيجيّة متوسّطة المدى
ولسدّ تلك الحاجة، يجب «بذل جهود على صعيد الإدارة الماليّة العامّة، لتوسيع نطاق شموليّة الموازنة وتحقيق وحدتها، إضافة إلى اعتماد حساب موحّد للخزينة». وتنضوي تلك الجهود في سلّة من الإجراءات مفيدة لهذا البحث أيضاً. بينها تقوية النظام الضريبي لتحسين الجباية ودمج إدارتي الضريبة على القيمة المضافة وضريبة الدخل... ويشير التقرير كذلك إلى ضرورة تحقيق نقلة باتجاه نظام ضريبي يعتمد المكننة الإلكترونيّة لتحديد الضرائب وتسديدها، مع الأخذ في الاعتبار أن تحقيق هذه العمليّة يمكن أن يحتاج إلى وقت لا بأس به.
ويرتبط توصيف حساب الخزينة الموحد وفقاً للدراسة بمفهومين أساسيّين: الأوّل هو أنّ الحساب يعدّ «تدبيراً موحّداً يحسّن مستوى التبادليّة على صعيد موارد السيولة الخاصّة بالحكومة. كذلك يقضي بعدم قيام أي وكالة حكوميّة بفتح حسابات مصرفيّة من دون رقابة الخزينة». أمّا المفهوم الثاني، فيفيد بأنّ الحساب الموحّد يجب أن يكون «شاملاً ويحوي كلّ سيولة الحكومة الموجودة ضمن الموازنة أو خارجها».
أمّا في ما يتعلّق بتصميم الحساب، فتشير الدراسة إلى أنّه «ليس هناك نموذج أو تصميم موحّد»، فالأمر يرتبط «بمستوى تطوّر البلد المعني على صعيد نوعيّة مؤسّساته العامّة وأنظمة الإدارة الماليّة وتطوّر التكنولوجيا والبنية التحتيّة الخاصّة بالاتصالات، إضافة إلى مستوى تطوّر النظام المصرفي».
ويتأثّر تصميم هذا الحساب بالتكنولوجيا المعتمدة لتحقيق التسويات المصرفيّة، وبالنظام الإلكتروني أو المالي الذي يعتمده المصرف المركزي لتحقيق المقاصّة بين المصارف التجاريّة على صعيد الدفعات والواردات.
ومن الصياغة الأوّلية إلى التنفيذ، تفيد الدراسة بأنّ هناك خطوات عديدة للمضي قدماً، فبداية «يجدر بوزارة المال أن تُعدّ خطّة متكاملة لتطبيق نظام الحساب الموحّد، تغطّي جميع المتطلّبات العمليّة والتقنيّة». وعليها أن «تحدّد التعديلات المطلوبة الخاصّة بالقوانين والتشريعات، إضافة إلى تحديد مراجعة إجراءات القبض والدفع».
غير أنّ التصميم والتنفيذ لن يتحقّقا أبداً إلّا إذا احتُرمت ثمانية «شروط أوليّة» على حدّ تعبير الدراسة، هي: 1 ـــــ إعداد تقويم عن الحسابات المصرفيّة الموجودة أصلاً، وخصوصاً في البلدان ذات الحسابات العامّة المشرذمة. 2 ـــــ الدعم السياسي، لأنّ إطلاق الحساب الموحّد يمكن أن يتطلّب اتخاذ قرارات صعبة مثل إقفال حسابات مصرفيّة، الأمر الذي يمكن أن يواجه بشراسة. 3 ـــــ متطلّبات قانونيّة وتنظيميّة. 4 ـــــ متطلّبات تكنولوجيّة. 5 ـــــ وجود نظام تسوية ماليّة بين المصارف. 6 ـــــ وساطة مناسبة بين الخزينة وشبكة المصارف. 7 ـــــ دليل حسابات واضح ومفهوم. 8 ـــــ تطوير قدرات مستخدمي نظام حساب الخزينة الموحّد.
أمّا القرار المتعلّق بما إذا كانت هناك حاجة إلى تفويض الوزارات والوحدات الأخرى المعنيّة بسلطات خاصّة بتطبيق الموازنة، فهو «منفصل عن هيكليّة الحساب الموحّد» تتابع الدراسة. وتوضح أنّه «في العديد من البلدان النامية التي تطبق أنظمة محاسبة وموازنة غير مركزيّة بهامش كبير، تتمتّع الإدارات (التي تنفق الأموال) باستقلاليّة مهمّة على صعيد تطبيق الموازنة».
وتحذّر الدراسة من أنّه يجب عدم الخلط بين «المسائل المتعلّقة بتوزيع المسؤوليّات لتحقيق الرقابة المحاسبيّة والإداريّة لنظام الدفع» و«المسائل الخاصّة بإدارة السيولة». ووفقاً لتوصيفها، يمكن العمل بحساب الخزينة الموحّد في أنظمة الرقابة والمحاسبة، مركزيّة كانت أو غير مركزيّة. غير أنّها تشير في الوقت نفسه إلى أنّ «جدوى التطبيق تعتمد على مستوى تطوّر النظام المصرفي والإجراءات المصرفيّة الخاصّة بالحكومة، وبينها شبكة اتصالات يُعتمد عليها».
وفي المحصّلة تشدّد الدراسة على أنّ اعتماد حساب موحّد للخزينة يعدّ «عاملاً أساسياً للتمتّع بنظام إدارة ماليّة فعّال وكفوء، وأداة جوهريّة لخفض كلفة اقتراض الحكومة».
وبغضّ النظر عن مؤشّرات التقدّم والتطوّر، يجب أن تصبو جميع البلدان، وفقاً للدراسة، «إلى تطبيق نظام حساب الخزينة الموحّدة وفقاً لتصميم يتلاءم مع الأوضاع الخاصّة بكلّ بلد».
________________________________________
6557 مليار ليرة
مجموع اعتمادات خدمة الدين العام، أي كلفة الاقتراض، المرصودة في مشروع موازنة عام 2010 الذي صدّق عليه مجلس الوزراء أخيراً، وتمثّل أكثر من 65% من الاعتمادات الكليّة البالغة 18652 مليار ليرة
________________________________________
إجراءات التطبيق
يبدأ تطبيق نظام حساب الخزينة الموحد بإجراءات أساسيّة تتخذها وزارة المال وتتبع ذلك مجموعة من التدابير تتضمن تطوير النماذج التي تستخدمها المصارف لإعداد تقاريرها عن التحويلات، تحقيق انتقال منظّم للحسابات المصرفيّة إلى الحساب الموحّد، اتخاذ قرار في شأن التوقيت المناسب لإطلاق التدابير الجديدة، مفاوضة المصارف التجاريّة في شأن طبيعة الخدمة التي تقدّمها على صعيد نظامي القبض والدفع، وأخيراً يجب أن تتصل وزارة المال بمختلف الوزارات والإدارات المعنية بالموازنة لتكون مطّلعة على الإصلاحات الجديدة والتغييرات الضروريّة.
عدد الاربعاء ٧ تموز ٢٠١٠
جريدة الاخبار
No comments:
Post a Comment