Thursday, July 15, 2010

حسن السيرة أمّا النيّات فأمر آخر
فداء عيتاني
استقبل الأمين العام لحزب الله، السيّد حسن نصر الله، مفتي الجمهورية اللبنانية، الشيخ محمد رشيد قباني، الذي قدم تعازيه إلى الأمين العام بغياب السيد محمد حسين فضل الله، وتحدّثا عن الفتنة وضرورة تضافر الجهود لدرء مخاطر جرّ البلد إلى التمزّق.
هذا ملخّص الخبر الصادر عن الحزب والمرفق بصورة.
إلا أنّ ما خرج لا يعكس تماماً ما جرى لناحية استدارة المفتي من مكان إلى آخر، ومن تابع اللقاء من داخل الحزب لا يرغب في الكلام، وخصوصاً لقناعته بأنّ كل حرف يخرج إلى الإعلام قد يضرّ بهذه العلاقة المستجدة بعد طول قصف مارسه المفتي على حزب الله وجمهوره، وشدة تحريض قام بها ضد الطوائف، وصولاً إلى تحوّله غطاءً شرعياً محلياً وإقليمياً وإسلامياً لكلّ من أراد النيل من الحزب والمقاومة.
إنه الصمت المطبِق عند قيادة الحزب، وكلما سألت أحدهم أجابك بأنّ هناك من قد يمارس الضغط على المفتي بعد هذه الزيارة، ومن سبق أن كانوا مستفيدين من مواقف المفتي قد لا تسرّهم رؤيته جالساً إلى جانب نصر الله، وبالتالي، قد يستفيدون من أية كلمة للإيحاء بأنه جرى التفريط بأهمية اللقاء عبر تسريب المعلومات.
إلا أنّ المعلومات إن لم تأتِ من هناك، فستصل من هنا. ومن مكان ما قرب كرسي الإفتاء الأوّل هناك من يسرّ بما تيسر للمفتي التحدث به عن هذا اللقاء، بل يرسم الخطوات الكاملة التي نقلت المفتي من موقع المهاجم للمقاومة وسلاحها وحزبها إلى الموقع إلى يسار قائد المقاومة، الذي ربما فضّل إجلاس ضيفه إلى يمين الصورة وجلس هو إلى يساره لتكريمه بحسب البروتوكول.
كان المفتي، بحسب المقرّبين منه من علماء الدين، يعاني مآزق فعلية خلال الأشهر الماضية، ليس وحسب لاضطراره إلى مواجهة الهدر الذي فضحته شركتا التدقيق المالي، وإعادته بعض الأموال، ولا لضعف موقعه وكلمته وقلة اكتراث تيار المستقبل من رئيس الحكومة إلى فؤاد السنيورة له، ولما آلت إليه أوضاعه، وصولاً إلى الضغط عليه، بسحب ما يرى من حوله، عبر التجاوز المرتكب باستخدام ختم باسم قوى الأمن، بل أيضاً وربما قبل ذلك أنّ هناك من سارع من دائرته الصغرى إلى الاتصال بقيادة حزب الله، وبالمؤسسات في منطقة الضاحية.
وخلال الأشهر الماضية أصبح بعض علماء الدين مألوفي الوجوه في الضاحية، حيث لم يترك بعض علماء دار الفتوى مناسبة تمر إلا برزوا فيها، وشربوا العصائر احتفالاً بافتتاح جسر في الضاحية، أو بتخريج بعض الفتيات من مدارس المبرّات، أو حرصوا على الجلوس في الصف الأول في احتفال يلقي فيه نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم كلمة بالجمهور.
علماء الدين هؤلاء، الذين يعملون في إدارات دار الفتوى، صاروا يبرزون صفاتهم الوظيفية للدلالة على أهمية حضورهم في الضاحية، أو في افتتاح متحف مليتا، أو غيره، ولحجز بضع لحظات على فضائية المنار، فيظهرون وعلى رؤوسهم العمامات السنيّة، وينطقون بغير ما كنا نسمعه منهم في الأعوام القليلة الماضية، حتى وفاة العلّامة السيد محمد حسين فضل الله، حينها أتى العلماء السنّة من موظفي دار الإفتاء ومن مفتيها بقضّهم وقضيضهم.
كلّ المفتين أتوا، اللّهم إلّا مفتي جبل لبنان، الأشد شراسةً في مهاجمة حزب الله والشيعة والمقاومة، ولكنّ الرجل أرسل اعتذاراً بأن مرضاً ألمّ به منذ مدة، وأنه غير قادر على الحضور، وحرص الرجل على إيصال الاعتذار إلى أوسع دائرة ممّن يعنيهم الأمر في حزب الله.
المفتي شخصياً كان هناك في اليوم الأول، وفي يوم الدفن، وثمة من همس في أذنه بأن يذهب وليتوكل على الله، والهمس لم يأتِ من رئيس الحكومة ولا من رئيس كتلة تيار المستقبل فؤاد السنيورة، ولا من شخصيات على هامش تيار المستقبل أو تدور في فلكه، بل أتى كأنه وحي من خارج البلاد، فذهب المفتي لا يلوي على شيء، وهناك كان يتمنّى لقاء «السيد حسن» لبثّه العزاء الحارّ من قلب إفتاء لبنان إلى قلب قائد المقاومة.
حرص كل من الطرفين على أن يكون اللقاء خلوة بينهما، وحرص مفتي الجمهورية على أن تكون الصورة واضحة، ليراها من يهاجمه كل يوم في الإعلام، ويرى أنّ الأمور قد حلّت مع قائد المقاومة شخصيّاً، وإن كان قد واجه من بعدها معاملة قاسية من القيّمين على تيار المستقبل، وخصوصاً أنّ ما جرى حصل فجأةً ومن دون إذن مسبّق.
في مطلق الأحوال فإن مفتي الجمهورية حصل على ما تمنّاه، وأقنع مضيفه ومن خلفه المقاومة بأنّ ما أدلى به سابقاً من أنّ بيروت تتعرض للحصار وكل الأحاديث عن السلاح والشيعة قد جرى طيّها، وبهذا المعنى فإنّ وجوده اليوم في منصبه ضرورة، بعدما جرى التقاط الصورة، تماماً كما أقنع سعد الحريري سوريا بأنه حسن السيرة والسلوك، وإن كانت النيّات أمراً آخر.
(الخميس: وقائع من جلسة مغلقة بين نصر الله وقباني)

عدد الاربعاء ١٤ تموز ٢٠١٠
الاخبار
المفتي يطلب اللقاء واستمرار التواصل
فداء عيتاني
حين انتهى لقاء الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله مع مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني، سأل المفتي عن أحد قيادات حزب الله، الذي «سمعت عنه كلاماً طيباً»، ففهم نصر الله أن الزائر يطلب استمرار التواصل بينه وبين الحزب في المستقبل القريب.
يستوي مفتي الجمهورية على كرسيه في دار الفتوى، ولكن قلة ممَّن حوله يمكن أن يسمعوه يتحدث عمّا في صدره. لقد ضاقت حلقة المخلصين من حول الرجل بعد أن صار المنصب الذي يشغله عرضة للتجاذب. فقد ضعف المفتي في موقعه بعد موجة التدقيق في حساباته المالية، وبعد أن سُرّبت صور المستندات التي تثبت الهدر المالي والتصرّف الشخصي بأموال المكلف اللبناني وأموال الطائفة وأوقافها.
ضعف الموقع وشاغله لهذه المشكلة، ولمجموعة من المآخذ الأخلاقية على نجله، الذي لم ينجح في تعيينه في منصب داخل إحدى أهم دوائر الفتوى، وهو منصب كان ينوي استحداثه من أجله، وحينها هوجم ممّن كانوا يُعدّون في الحلقة الضيقة للإفتاء، ومُنع من استحداث المنصب لمصلحة نجله. ولكن الأمور في عهد رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة بقيت منضبطة. فالسنيورة احتاج إلى غطاء مذهبي يمكّنه من التلطّي خلفه، والبقاء في موقعه، من دون أن يرفّ له جفن، فاستدعى المفتي لإقامة صلاة الجمعة في مقر رئاسة الحكومة المحاصر بالمتظاهرين من أنصار المعارضة، واستخدمه لإشاعة الجو المذهبي، الذي كان أحد ركيزتَي التحريض، بينما بقيت الركيزة الأخرى هي المال، حتى إن هناك من يتأسف على ما حلّ بالمفتي وموقعه، إذ «لو كوفئ المفتي على دوره السياسي الذي أدّاه في المرحلة الممتدة من عام 2005 إلى اللحظة الراهنة، لوضعت بين يديه مئات ملايين الدولارات، لا بضعة منها فقط».
لكنّ التدقيقات المالية تكشف كل يوم أن المبالغ المفقودة أو التي تَصرّف بها رأس الإفتاء أكبر من الأحجام المتوقّعة حتى بداية فتح التحقيق المالي. ومن حول المفتي من استبشر بأن اللحظة قد حانت للانقضاض على موقع الإفتاء الأول في البلاد، وبدأ الطامحون يظهرون، لا من بيروت وحسب، بل من الشمال ومن أقضية قصية، للجلوس في منصب هو عرفاً لأبناء العاصمة.
في هذه اللحظة التي بات فيها الرجل أضعف من أن يقف على قدميه في إدارة شؤون الدار، توفي من أرسى ركائز نهضة الطائفة الشيعية الاقتصادية والاجتماعية وأطلق مرحلة الإسلام الحركي الثوري مسترشداً بالثورة الإيرانية، فذهب مفتي الجمهورية إلى العزاء، وهناك استُقبل بود، حيث تناسى من كان في العزاء كل الصفحات الماضية من التحريض والعمل على إذكاء نار الفتنة، وهو ما سرّ الرجل الذي اعتقد أن بإمكانه الاستفادة من هذه الأجواء الطيبة من جانب أهل الفقيد لتعزيز موقعه الضعيف في دار الفتوى وبين أترابه العلماء وأركان السياسة في البلاد.
وفي لحظة تفكّر في دار الإفتاء، أتى من يشير إلى المفتي بأن قائد المقاومة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله سيكون مباشرة في تشييع الراحل، فاستعدّ الرجل على عجل وشق طريقه نحو الضاحية الجنوبية لبيروت مجدداً، حيث اكتشف أن نصر الله لم يشارك في احتفال التأبين أو في تقبّل التعازي، فأسقط في يده، وطلب موعداً عاجلاً للقاء نصر الله وتعزيته.
وفي ما يبدو، فإن المسوؤلين في الحزب وافقوا، وبسرعة، على الطلب، وأعطي الموعد للمفتي، واجتمع ونصر الله، في لقاء مغلق. وبحسب المحيطين بالمفتي، وهم أصبحوا يُعدّون على أصابع اليد الواحدة في دار الفتوى، فإن الرجل حين يخبر عن اللقاء يبدو في غاية الارتياح، وهو يتحدث مبتسماً عن الاستقبال، وعن إجابات الأمين العام لحزب الله، إلا أن الجو الذي ينقله يبدو ناقصاً، أو ربما لم يحسن الاستماع إلى ما قاله نصر الله.
وفي الحوار الذي دار، فإن المفتي سمع كلاماً وعتاباً ليّناً من نصر الله عن المرحلة الماضية، وسمع كلاماً كثيراً عن سبل منع الفتنة بين السنّة والشيعة، وضرورة العمل على نزع كل أشكال التوتر. وكسر نصر الله الحواجر التي كانت تربك المفتي في جلسته، وتقصّد إكرامه على ما نقل الأخير إلى من حوله، وشرح له العديد من الملفات الشائكة الحالية، وما يعدّ له الوضع في البلاد والمنطقة، وعمّا جرى مع قوات الطوارئ الدولية، وفي فلسطين عامة وقطاع غزة خاصة.
في المقابل، فإن أسئلة مفتي الجمهورية كانت محدودة، وأبرزها عمّا ستكون عليه ردة فعل حزب الله إذا وجّه الادّعاء في المحكمة الدولية الاتهام إلى عناصر فيه بالضلوع في عملية اغتيال رفيق الحريري، فسمع المفتي كلاماً واضحاً وحاسماً عن موقف الحزب الذي لن يسمح للأمور بأن تصل إلى هذا الحد، وعن رفضه الاتهام، إذ سيعدّ أيّ اتهام مشابه موجّهاً من العدو الإسرائيلي.
بعض المحيطين بالمفتي يتحدّثون عن زيارة شخصية وطبيعية كسرت بعض الحواجز، وآخرون يتحدثون عن ملجأ نادر وجده المفتي بعد طول حصار.

عدد الجمعة ١٦ تموز ٢٠١٠
الاخبار

No comments:

Post a Comment