الموارنة والحرية
إنطلياس في 14 آذار 2011
د. ناجي الحايك
أودّ أن أبدأ الكلام بشكر الحركة الثقافية في إنطلياس لإستضافتنا هنا . نحن نتطلع إلى لقاءات أخرى، للبحث معمقاً في فكر وكتابات الأب حايك، الذي أغنى كنيستنا المارونية روحياً، بليتورجيا متجددة، وزمنياً، ببصيرة قل نظيرها.
بإسم مؤسسة الأب حايك، أود أن أطلعكم على ما أنجزناه حتى اليوم .
إنتقل الأب حايك، الى بيت الأب، في الأول من شهر أيلول سنة 2005. ومنذ ذلك التاريخ، أصدرت مؤسسة الأب حايك ما يلي:
كتيب صغير يفيد عنه بمناسبة جناز الأربعين
كتاب يوثق مجمل ما قيل فيه في جناز السنة
كتاب "Melanges " يضم جملة من المقالات التي تتناول بعض جوانب فكر الأب حايك، صدر في باريس، بسعي مشكور من الدكتور شارل شرتوني الذي تولى الإتصال بالكتاب وجمع النصوص.
كتاب المرافقة ، طبعة ثانية
الكتاب، موضوع محاضرة اليوم "كتابات في تاريخ الكنيسة المارونية وروحانيتها" وقد نقله الى العربية من الأصل الفرنسي الأب دانيال زغيب وصدر سنة 2009. وهو الكتاب الأول من سلسلة التراث الليتورجي.
كتاب الليتورجيا المارونية وهو الكتاب الثاني للمترجم نفسه في السلسلة إياها صدر في سنة 2011 والذي نتمنى أن يكون لنا لقاء خاص حوله.
قيد إعادة الطبع، بعد نفاذ الطبعة الأولى كتاب: القديس شربل "la voie du silence"، ويسرّنا إحتمال ترجمته الى اللغة العربية، لاحقاً.
هذا بالإضافة إلى جمع حوالى المئتين من مواعظ ومحاضرات ودراسات الأب حايك وهي، كما يعلم عارفوه، مبعثرة بين آلاف الأوراق التي كتبها الأب حايك وتركها غير مبوبة قليلها منشور وكثيرها لايزال في عداد المخطوطات.
موضوع اليوم هو الموارنة والحرية، هذا الوجه من المارونية الذي حاز على الكثير من فكر الأب حايك وعلى البديع من إشراقاته. وإذا سئلت يوماً عن أهم ما حفظت من الخوري ميشال، لن أتردد بقول جملة واحدة، كان دائماً ينصحني بها : "لازم دايما تكون حر" وتبقى حر.
لم يبق الكثير من قديم النصوص عن تاريخ الموارنة، الذي نعيّد هذه السنة يوبيله الألف والستماية. الأسباب الأهم هي شظف العيش منذ نشأتهم من القرن الخامس وحتى سنة 685، سنة أقامة أول بطريرك لهم، في إثر شغور كرسي انطاكية، ومن ثم تمدد الفتوحات الإسلامية وويلاتها، الى سلسلة من الغزوات والإجتياحات والإحتلالات لم تنقطع وتيرتها الى اليوم. كل ذلك، تكفل بضياع الكثير ونحل ونسب العديد من النصوص عن آباء هذه الكنيسة. ومن المرجح وجود كتابات تم إتلافها على مر السنين على أيدي المتنازعين حول ناسوت المسيح ولاهوته ومخالفي المجمع الخلقيدوني. كما ويجب ألا ننسى عدد المخطوطات القيمة التي جمعت من أديارهم وكنائسهم على يد الموفد البابوي إليانو سنة 1578 الذي أجهز على أكثرها بطريقة إستفزازية وفوقية، زاعماً بأنه صاحب صلاحية تصحيح المسار الماروني، هذه المحرقة أضاعت بكل أسف تاريخاً قيماً إن من الناحية الليتورجية أو الإنسانية .
بالواقع، لم يحفظ التاريخ، الى الآن، مما يكون قد كتب عن مار مارون التي تنتسب الكنيسة المارونية اليه إلا رسالة يوحنا فم الذهب ووصف تيودوريطس القورشي له. حتى عدد البطاركة الذين تعاقبوا لخلافة مار يوحنا مارون لا ضمانة علمية حاسمة فيه. فهناك من يعتقد، مثلاً، بأن يوحنا مارون لا وجود تاريخياً له. وقد يكون إبن القلاعي هو أول من ذكره في أواخر القرن الخامس عشر.
لقد ألصقت بهذا الشعب كل أنواع التهم. قيل عنه الكثير وسلب منه الأكثر ومرت عليه ظروف وصروف شتى، ولم يكن له غير ثابتة واحدة منذ 1600 سنة، هي ثابتة الحرية. هذه القيمة – الفضيلة، الدافع والغاية، لازمته منذ البدء. بالرغم من كل الخطوب والذنوب، وبالرغم من الترهيب وإعمال حد السيف، لم يستطع عناترة الشرق وزيران الغرب فك الإرتباط بين الموارنة والحرية. هناك زواج ماروني مع الحرية لا ينفصم. لذلك لا تستطيع طبيعة الماروني إلا أن تجنح نحو فطرته الأولى وهي فطرة الحرية. الحرية هي علة الشعب الماروني، هي دافع وجوده الوطني، ومسوغ حضوره السياسي ومبرر شهادته الإنسانية وهدف رسالته الحضارية المشرقية. بالحرية الكيانية الشخصية يتأنسن، ويساهم في تحضير المجتمعات المشرقية وبها يستنهض شعوب دولها صوب الديموقراطية. وكأن الأرض الفينيقية كانت تتحضر على مدى تاريخها وميتولوجيتها القديمة الوثنية الحلولية لإستقبال القادمين، وها هي أسطورة الفينيق القائم من رماده والمنبعث حياً تمهًد لحضور المسيحيين الموارنة الذين عرفوا أنهم ولدوا من فعل حرية من الرب وأن الحياة لا تتنتهي مع الموت، هم الذين يعيشون ويموتون على رجاء القيامة.
بدأت المارونية في الأساس حركة روحية نسكية رهبانية ومع تطورها لتصبح مؤسسة كنسية، إستقرت في لبنان وكان سكان الجبل أول من إعتنقوها. لقد كانت منذ البدء على صورة المسيح الذي ساوى بين السيد والعبد، وآخى بين الناس والأجناس.
ما إدعت يوماً، كغيرها بأنها خير أمة أو تطلعت للتكاثر كنجوم السماء أو حبوب الرمل على الشاطئ. ومن الأنموذج الروحي الرهباني، تسلمت نزعة التحرر وعشق الحرية. فالراهب في أصل دعوته هو من يلبي نداء الحرية الباطنية الروحية.
المارونية جمعت عشاق الحرية في شرق لم يكف يوماً عن أن يكون مسرح قهر ومظالم وطغيان. فكانت البوتقة التي إنصهر فيها كل من قدّر له أن يكون حراً. على خطى المسيح عاش مارون الناسك وكان أباً لفلسفة التحرر التي تجلت بعيشه في العراء وفي الهواء الطلق. على قمم الجبال تحرر من كل مادة ومن كل غطاء، لا تقهره حرارة الشمس، ولا صقيع الشتاء، ولا عتي الرياح العنيفة، ولا ضعف الطبيعة البشرية.
روحيا كانوا على عكس الشرق الذي تبع بعضه أمبراطور بيزنطيا وتقلب تفسير عقيدته الإيمانية وإرتضى الآخر بأطوار الخلفاء. لم يتقبلوا لا بل قاوموا كل المشاريع القومية والشمولية لأنهم ما إعتادوا لا على بيزنطيا الأمبراطورية ولا على أممية الخلافة. كانوا يمشون عكس السير بالطلوع تماماً كما النهر العاصي الذي شربوا من مياهه وصلوا على ضفافه.
ما من قضية إلا وتمايز فيها الموارنة، بدافع مقاومة الإنصهار وإثبات حق المغايرة:
إنهم سريان ولكن لا يعاقبة،
هم إنطاكيون لا بيزنطيون،
أراميون لا يونانيون،
هم خلقيدونيون لا ملكيون،
شرقيون لا أروام،
كاثوليك لا لاتينيون،
هم عرب لا مسلمون...
أما إجتماعيا فإن التنسك في الجبال حرية، وإلتحاف النجوم والسماء حرية. عدم التردد في ملء كرسي انطاكي فارغ بالإنتخاب لا بالتعيين، إنها الحرية. بإسم الحرية رفض الموارنة المهانة وقاوموا بني أمية في البقاع، وبني العباس في جبة المنيطرة والمماليك في جبة بشري وسلاطين بني عثمان في بنشعي، حتى فرنسا أمهم الحنون لم تسلم من فعل مقاومتهم. إنتفاضات على البطركة والمشيخة طمعاً بالحرية . على إسم الحرية إلتقوا تباعاً، عبر التاريخ، مع من سوف يكونون مواطنيهم في لبنان ليبتنوا معاً ديموقراطية تشاركية فذة، أثبتت مناعتها وعصيّها على الحروب والنزاعات المستمرّة في تهشيم جسد لبنان منذ 13 نيسان 1975، حتى ولو لم يتمكن اللبنانيون بعد، من حسن إدارتها.
نعرف من عبر الحرب اللبنانية أن هناك نوعين قاتلوا وتقاتلوا على أرضنا. نوع أتى يمارس هنا بحرية فعل حرية لم تتقبله أي من البلدان المجاورة، فاتانا الكردي والأحمر الياباني والمتطرف الديني والماوي، والنوع الآخر أتى لقتالنا خوفاً من إنفتاحنا ومن تمايزنا ورفضاً لتعددية كنا أول من أدخل قيمها وثقافتها ورقيها إلى هذا الشرق. "الموارنة أكثر الناس تقدمية إذا آمنوا وأكثرهم رجعية إذا فزعوا". هم الذين إنطلقوا من هذا الشاطئ الضيق إلى العالم الوسيع حتى تكاد لا تجد مدينة إلا وللموارنة فيها وجود فاعل. ولكن في مسيرتهم كطلاب حرية كان الصليب هو النصيب. فكثيراً ما إعتدي عليهم ليتحولوا إلى أكبر المنكفئين. ما إنعزلوا، لقد إعتزلوا في جبالهم على مدى مئات السنين محافظين على تراثهم الأنطاكي وعقيدتهم الخلقيدونية .
حالة الإباء هذه التي عاشوها هي التي سوغت لقياداتهم الروحية عدم طلب فرامانات المحتل وإلتماس حمايته وأدت برهبانهم إما إلى الشهادة، من أيام دير مار مارون على العاصي إلى لوقا البنهراني إلى جبرائيل حجولا الى الأخوة المسابكيين إلى الأبوين أبو خليل وشرفان... وإما إلى عدم التردد بإستعمال السوط كما حصل مع بعض رهبان دير مار قزحيا البلديين الذين يقال إنهم أذاقوا المتصرف طعم زنانيرهم الجلدية رداً على تعنيفه إياهم بكلام جارح .
لا يعتبر الأب حايك الموارنة فئة عرقية ذات أصل واحد ولا أمة من رحم واحد غير أرحام أهل هذا الشرق. الموارنة هم عصارة من أراد إعتناق الحرية، الجهر بالحرية، وممارسة جسارة الحرية في هذه المنطقة من العالم. لذلك يخطئ من يقول أن أصلهم من سوريا وهم ليسوا كذلك، وما هم إن صحّ أن بطريركهم الأول هو إبن اخت ملك الإفرنج أو أنه سكن سوريا لإن ما يجمعهم هو الروح وليس العرق. لقد وفرّت أرض لبنان لهم هذا الحصن المنيع الذي يتناسب مع هواهم فتعلقوا بها تعلقاً لا حدود له وإنتسبوا إلى أعلى جبالها وقعر وديانها. طبعت طبيعة الأرض أطباعهم.
يقول الأب حايك :" الشعب الماروني لا يتعرف حقاً إلى ذاته إلا في ممارسة التطرف، ولا يدرك قياسه الحقيقي إلا في حالات الإحراج، لدى الأزمات القصوى. إنه ابن الجبل وقد ورث من الجبل كل البأس والشدّة. على الجبل ولد أو في الوادي (إي الجبل المقلوب)، هناك نشأ وإلى هناك معاده. لقد عرفه الآخرون هكذا إبن جبل. وهذا ما يطرح بينه وبين معظم أهل الشرق تلك الجدلية المخصّبة والخطيرة معاً التي تقوم بين رجل الجبل الصارم وبين رجل الصحراء والسهل إبن السهولة والرخصة ".
بالواقع يعيش الموارنة تطرف الحرية في كل شيء من قدرة القداسة إلى قدر الحرب ولعل أصدق ما قيل فيهم إنهم قديسو هذا الشرق وهم أيضا شياطينه.
المبدأ الوحيد الذي لم يخالفوه يوماً ولم يستعملوا ملكة الحرية خاصتهم لمقاومته هو تمسكهم بإيمانهم الخلقيدوني، وإرتباطهم بكرسي روما. من أجل هذا الإيمان دمّرت ديارهم، وأحرقت أديارهم منذ سنة 517، ولأجل هذا الإيمان أيضاً إضطهدوا وتهجروا. تركوا وحدهم في هذا الشرق بين من ضاقت صدورهم عن القبول بالآخر المغاير. على مدى وجودهم، تحملوا القتل والتعذيب والإفناء لأجل هويتهم المسيحية الإنطاكية.
كل هذا بينما لم تكن روما تعرف عنهم شيئاً على مدى حوالي الأربعة عقود وإعتقدت أنهم زالوا. حتى متى عادت عاصمة الكثلكة مع الصليبيين وجدتهم كما تركتهم، واقفين شامخين، ما أركعهم إلا الصلاة وكانت في أغلبها مطانية أي بالأربع. بالرغم من كل ذلك، لم تكن دائماً رحيمة بحقهم فقبلت عليهم الشكاوى وإتهامات الهرطقة. وقبلوا القصاص على مضض رغم علمهم بعدم صواب التهمة. ثم أتى الموفدون وأحرقوا المكتبات وفرضوا كتاب القداس على غبطة سركيس الرزي الغاضب ، وآخرون حدوا من سلطة البطريرك ، ومن ثم ليتنوا الطقوس كما في مجمع اللويزة سنة 1736. نعم لقد قبل الموارنة إتلاف مخطوطات كنائسهم فقط كرمى لعيون روما ولتأكيد تعلقهم بكرسي بطرس الثاني، هم المؤتمنون على كرسيه الأول في انطاكية.
ومن إحدى الشهادات المتجددة لهذا التعلق، ما أخبرني به الأب ميشال عن أحد الطلاب الموارنة في الولايات المتحدة الذي كان شاهداً في سنة 1992 على أحدهم يسخر من إدعاء عصمة البابا لدى الكاثوليك بعد ردّ إعتبار العالم المحروم غاليلليو الذي إكتشف دائرية الأرض. قال الأب حايك إن هذا الشاب الماروني إنتفض مدافعاً عن روما ببرهان طريف، "إن الكنيسة لم تخطئ بحرمان غاليلليو عصر ذاك، لأن الأرض في سنة 1600 كانت مسطحـة ! "
إن الموارنة لم يتوقفوا أبداً عن إعتناق مسيحييتهم إذ إن عدداً من اللاهوتيين ورجال الإكليروس إدعوا أنهم هم من أرجع الموارنة الى الكثلكة، قيل عنهم إنهم مونوفيزيين ومنهم من إتهمهم بالنسطورية. وخلط بين بطريركهم الأول وبين يوحنا السرومي اليعقوبي. وبالرغم من دفاع شرس لمفكريهم كإبن القلاعي والدويهي عن عقيدتهم وكاثوليكيتهم فقد قبلوا كل هذه الإتهامات عيشاً لمسيحيتهم التي هي حالة مستمرة يكتشفونها ويتبنونها ويجددونها كل ساعة وعلى كل مفترق تاريخ .
لم اجد لأختم كلامي به إجمل مما قيل في محاضرة الصوم لسنة 2001 في كتدرائية مار جرجس: "لا تطرح قضية الحرية على لبنان فقط، لا بل، إن لبنان بمجرد وجوده، يطرح قضية الحرية على نفسه، كما يطرحها على المجتمعات العربية كلها، انطلاقا من إختباره السابق وخبرته القائمة : أيريد العرب، كل العرب، أفرادا وجماعات، دولا ومجتمعات، أن يدخلوا زمن الحرية وعصر الحريات والديمقراطيات الحرة؟ كما دخل هو، وكما لا يزال يصارع في سبيلها، لا باسمه لوحده، ولا من أجل نفسه وحسب بل باسم العرب ومن اجلهم وبديلا عنهم إلى أن يستنهضهم فيحضروا إلى حضرة الحرية، ويأتوا إلى الحضارة التي طلعوا بها ذات يوم. بأخلاقية الحرية تكون قيامة المشرق وبأدوات السلام يقوم نعيمه. العل المهمة هذه حلما مستحيلا؟ نعم إنها الحلم المستحيل، نريد حفنة من الحالمين الشعراء، عشاق الحرية ليجعلوا من هذا المستحيل حقيقة".
No comments:
Post a Comment