لقاء بكركي مجدداً: انتهت «ساعة الروح»... وبدأ الجد
غراسيا بيطار
لم يجترح لقاء بكركي المعجزات ولم يدّع ذلك أصلا. وإذا أخذنا من أمثلة الماضي يمكننا السباحة في بحر من «التشاؤل». إذ عندما قصد البابا بولس السادس القدس عام
1966 واجتمع ببطريرك الأرثوذكس في لقاء «كسر الجليد» بين الكنيستين في اتجاه الوحدة، لم يشكّل ذاك اللقاء إلا مدخلا الى الحوار المسكوني المستمر حتى اليوم.
«تفاؤل» بمجرد حصول اللقاء. و«تشاؤم» بطول المدة التي يغرق فيها مذ ذاك.
شتّان بين الاثنين. فتلاقي «ديوك الموارنة» تحت عباءة بكركي لم يخل من «صياح» كل طرف مدافعا عن خياراته السياسية. ليتجلى «قمح» الرعية و«زؤانها» أمام عين الراعي.
الثابت أن الرغبة في الوصول الى المرتجى هي طبعة «دامغة» لدى القيادات الأربع. والدليل حرص الجميع على إشاعة جو من «الارتياح». لكن بطريرك «الشركة والمحبة»
يدرك ما وراء «الرغبات» وعليه اعتمد قاعدة «من كبّر الحجر ما ضرب». فلم يطلب من ضيوفه الكثير كمرحلة أولى في لقاء أول جاء نادرا أقله في الشكل.
أذن الراعي لـ«الحبيس» الأب يوحنا خوند مغادرة محبسته لـ«حبس أنفاس الديوك» في رياضة روحية امتدت نحو ساعة من الوقت. اختيار صائب الإتيان بمن «اعتزل العالم
المادي» يحاضر في من «عزلوا» الناس بخيارات سياسية مؤطرة. «التنفيسة» الروحية أراحت الأربعة. لكن يبدو ان «الروح القدس» لم يفعل فعله في متن الموضوعات التي
طرحت على الطاولة المستطيلة. فما أن انتهت «ساعة الروح» حتى راحت المشاهد التي نراها في الإعلام تتكرر في صالون بكركي الكبير ولكن بصيغة هادئة وفي ظل «إصغاء
تام».
ثنائي فرنجية ـ جعجع بدأ مع القليل من التشنج بفعل «وطأة» المصافحة وسرعان ما مال أكثر نحو الارتياح ليتمازج مع جو بقية المجتمعين ليستحق «البيك» لقب «صاحب
القلب الأبيض» على ما قال أحد الكنسيين عن فرنجية. ولتصبح في النهاية «نكتة أحدهم مسموعة من الجميع ولطيفة تستأهل الضحك ومن القلب». وفي هذا الإطار، يلفت مصدر
«قواتي» الى ان المزاح كان أكثر حضورا على جبهة عون ـ جعجع. ومبديا حرصا على إظهار اللقاء بـ«أنه مفصلي في علاقة القوات مع كل من التيار الوطني الحر وتيار المردة
وهذا ما أبلغه «الحكيم» الى القواعد القواتية والكوادر فور اجتماعه بهم بعد حدث الثلاثاء».
وعدت جميع القيادات المشاركة الراعي بعدم التسريب. ولكن، ولأن لجدران بكركي آذان، يمكن حصر جدول أعمال اللقاء بعنوان رئيس هو «المسيحيون» وكل ما يتفرع عنه من
حقوق وواجبات وحضور ودور وهواجس ومصير ولا مركزية إدارية وتوطين وسلاح والعلاقة مع سوريا».
وبعد كلمة توجيهية لبشارة الراعي تمنى فيها على السياسيين «الاختلاف وليس الخلاف في السياسة وترك الحرية للبنانيين لاختيار من يقنعهم أكثر من بين الخيارات السياسية
المطروحة أمامهم من دون أي نوع من أنواع الترهيب أو الترغيب». تحدث كل من امين الجميل وميشال عون وسليمان فرنجية وسمير جعجع عن موقعه أين كان وأين أصبح ولماذا.
وبحسب مطلعين على أجواء اللقاء «كانت مقاربة للمشروعين الذين يحكمان المنطقة مع التوقف عند موقع المسيحيين من هذين المشروعين وسرد للأحداث منذ ما قبل السبعينيات
وكيف كان المسيحيون يتخذون مواقفهم وعلى أي أساس، أين أخطأوا وأين أصابوا ومقارنة الماضي باليوم مرورا باتفاق الطائف وما تبعه من أحداث».
في المداخلات، وكما في العلن كذلك على الطاولة، «انفرزت» الاتجاهات الى إثنين: عون وفرنجية مقابل الجميل وجعجع. وخصوصا في ما يتعلق بسلاح حزب الله. فبينما ركز
الـ«الحكيم» و«الرئيس» على «حصر حمل السلاح بيد الشرعية وبسط سيادة الدولة على كافة الأراضي اللبنانية». تلاقت مداخلة كل من «الجنرال» و«البيك» في مقاربتهما
مسألة السلاح لناحية «ربط مبرر وجوده برزمة قضايا تتعلق بالتوطين والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات وداخلها والصراع العربي الإسرائيلي إذ عند حلول السلام في
المنطقة لن يكون لسلاح المقاومة عندها أي مبرر». ومقابل مسألة السلاح، طرحا «انخراط البعض في مشاريع قد لا تملك السلاح وقد تملكه وإنما لديها امتدادات وارتباطات
خارجية ضد مصلحة لبنان». علما ان، وللمفارقة، جميع المداخلات انطلقت من «أهمية وعي المسيحيين الى أن ضمانتهم هي في انخراطهم في العمق العربي وانتمائهم الى الشرق».
بعد «معمودية الثلاثاء»، لن يحتاج اللقاء الثاني الى أكثر من «اتصال هاتفي» من الراعي، فتلاقي «الديوك» أصبح تلقائيا بعد نجاح التجربة الأولى وان كانت «الانتظارات»
ستكبر في كل مرة. أوساط المطارنة الأربع الذين شاركوا في لقاء بكركي المسيحي تؤكد بعد «المعاينة» المباشرة أن المسألة ليست «شربة مي». وفي هذا الصدد، نقل عن
المطران بولس مطر الذي أوكلت اليه مهمة متابعة ما توصل اليه المجتمعون قوله: «المشوار طويل وليس سهلا». أما فرنجية فبدا مرتاحا لأنه كان متشائما أصلا من امكان
الخروج بنتائج...
السفير
No comments:
Post a Comment