Tuesday, April 19, 2011

ستة لا خمسة على طاولة بكركي
ستّة، لا خمسة، في بكركي اليوم
جان عزيز
لن يكون المؤتمرون في بكركي خمسة اليوم. ذلك أن مشاركاً سادساً سيكون حاضراً أكثر من الخمسة المعلنين، وسيكون طاغياً في كل ما سيقال، والأكثر في «المسكوت» عنه والموحى به والمشار إليه.
حول الطاولة سيكون الشكل محسوماً. البطريرك الراعي وسط مدعوّيه. إلى يمينه أمين الجميّل وبجانبه سمير جعجع، وإلى يساره ميشال عون وسليمان فرنجية. وبعد الصلاة والتأمل، ستكون الكلمة لصاحب الدعوة، وستكون حاملة ومحمِّلة لمسؤوليات بحجم التاريخ والناس والضمير والحق، وأمام كل من هؤلاء.
بعدها سيبدأ المتكلمون بمداخلاتهم، من دون سجال. دورة كاملة أو أكثر حول الطاولة، يعرض في خلالها كل مشارك قراءته لما يهدّد المسيحيين ولبنان، وتصوّره لمواجهة ذلك. في مستهل كل مداخلة سيكون نوع من التمهيد: شكر وحرص وقلق وجد، إضافة إلى عموميات وبديهيات وإجماعات: كيف أن لبنان ضروري لبقاء المسيحيين، وكيف أن المسيحيين أساسيّون لبقاء لبنان، وكيف أن هذه الجدلية التفاعلية أمامها اليوم تحديات كبيرة عمّقتها عبرُ التاريخ والجغرافيا، وكيف أن الإمكانات متواضعة جداً حيال الحاجات، وهو ما يقتضي البحث في الترشيد والأولويات... بعد ذلك يبدأ الكلام الفعلي:
الجميّل وجعجع سيركزان على مفهوم الدولة وضرورتها لبقاء المسيحيين ولبنان، وسيدخلان من عنوانها إلى مسألتهما المحورية: «خطر السلاح»، وسيشرحان كيف أنه ثبت لهما بالحسّي الملموس أنه حيث يطأ «السلاح غير الشرعي» تُهجّر الدولة، لا بل تُمحى وتزول. وبالتالي، سيؤكد الاثنان أن الأولوية اليوم، من أجل ضمان وجود المسيحيين، هي بقاء دولة في لبنان. ومن أجل بقاء دولة في لبنان، يجب الاتفاق على إزالة أي دويلة في لبنان. فكيف إذا كانت ثمة دويلة قد أصبحت أكبر من الدولة، اسمها حزب الله؟
بعدها سيكون الكلام لعون وفرنجية. وقد يكون تركيزهما على صحة منطق الدولة وضرورتها، لكنهما قد يلفتان إلى أن دولة ضامنة للكيان اللبناني وحامية لكل الجماعات فيه، لها شرطان: التوازن الميثاقي في داخلها، والتعاون السيادي مع محيطها. دولة كهذه مقتلها الأول اليوم في خطر التوطين، وخصوصاً في ظل ما يحصل في المنطقة العربية. ومقتلها الثاني انتقال ملكيّتها الهادئ والتدريجي والمقنَّع إلى غير أبنائها، أكان ذلك عبر تملّك الأجانب أم عبر تملّك «اللبنانيين الأجانب» للحجر والبشر والمؤسسات والدولة. ودولة كهذه هاجسها الأكبر فساد وإفساد كل ما فيها، بحيث يصير مواطنها رعية، لا يفكر، ولا يقاوم، ولا يقدر على أيّ منهما... وقد لا يخفي عون وفرنجية اعتقادهما بأن سلاح حزب الله ضمانة على هذا المستوى: لا تسليم للسلاح قبل رحيل اللاجئين وقبل ضمانة عدم هيمنة المال الخليجي في نظام قابل لبيع كل شيء.
هكذا، بعد الجولة الأولى من مناورات جسّ النبض بين الفريقين وسط الملعب، سيكتشف الطرفان أنهما يتحدثان باللغة المشفرة عن حاضر غائب هو سوريا. وقد يكون الجميّل وجعجع صريحين جداً عندها في مخاطبتهما عون وفرنجية قائلين: أسقطا من رأسيكما وهم «تحالف الأقليات» في المنطقة. ها أنذا أمين الجميّل جرّبته في 12 قمة مع الأسد، بلا نتيجة. وها أنذا سمير جعجع دفعت ثمنه في الطائف، وكتبت لحافظ الأسد رسالة بخط اليد، ولم أفلح. ثم ها هي رياح التغيير آتية. أميركا وإسرائيل قررتا الرهان على الأكثريات لا على الأقليات. وحدها الأكثرية برأيهما اليوم قادرة على السلام مع الصهيونية، والإسلام السنّي المعتدل وفق النموذج التركي الملمّعة صورته هو الخيار، وما بقي انتحار.
وقد يكون عون وفرنجية أكثر صراحة: قد تنجح واشنطن وإسرائيل في تفجير محيطنا مذهبياً وعرقياً. لكن لا تتوهموا أن الديموقراطية الليبرالية هي النتيجة الفورية بدءاً من صباح الغد. قد تضطرون إلى انتظارها عقوداً، على الأقل حتى تصير تظاهرة عربية ممكنة زمنياً في يوم غير يوم الجمعة، ومكانياً في ساحة غير باحة الجامع. وفي هذا الوقت تكونون في قارة أخرى، تصفّقون لديموقراطية المنطقة من البعيد المتفرّج والمتأسّف.
هنا قد يكون الوقت تأخّر، وقد ينتبه البطريرك إلى مسألة منهجية: ماذا لو كان كلّ منكم على نصف حق؟ ماذا لو كانت الحقيقة الكاملة لما يتهدّد لبنان وجماعاته هي مجموع ما لدى طرفيكما؟ وقد يوافق الأربعة. لكن كيف يتوافقون على خريطة طريق لما بعد موافقتهم، وخصوصاً وسط «التزامات» و«إلزامات» ورواسب وزلازل؟ هنا قد تكون الحاجة إلى روح قدس.
العدد 1392
19 نيسان 2011
الاخبار

No comments:

Post a Comment