شكوك وأسئلة حول محاسبة «الدب الأكبر» التي تدار «على بركة الله» و«حنان» وزارة المالية«مجلس الإعمار» يقترض ولا يحتسب الفوائد... يودع في «المركزي» ولا يعرف
رصيده!
مزيد من الصور
ايلي الفرزلي
برغم أن مجلس الإنماء والإعمار في رديه المتتاليين على «السفير»، في الأيام الأخيرة، افترض أن موضوع التقريرين المتناقضين حول سنة مالية واحدة في المجلس، قد
حسم، معتبراً أنه «لا يستحق الأبعاد التي أعطيت له عن قصد أو عن غير قصد»، فإن «السفير»، كما وعدت قراءها، تعود اليوم لمتابعة ما بدأته الأسبوع الماضي، حين
كشفت عن وجود التقريرين المتناقضين.
واستناداً إلى إقرار المجلس بوجود تقريرين بالفعل، وإن اعتبر ذلك أمرا طبيعيا، وان الأرقام التي وصل الفارق بينها إلى المليارات هي ليست إلا اختلافا شكليا،
إلا أنه أقر على الأقل بأن شركة التدقيق الدولية أجرت تعديلات، وإن وصفها بالملاحظات، أن التعديلات ـ الملاحظات أجريت على الحسابات التي أجراها هو، وهي تعديلات
لا تتعلق برقم أو رقمين بل بمعظم بنود الموازنة.
في المحصلة، فإن المجلس أكد أن اختلاف الأرقام يعود إلى تصحيح التعديلات التي نتجت من أعمال التدقيق، وبالتالي فإنه من حق القارئ أن يطلع على هذه الأخطاء المحاسبية
التي ترتكبها أهم مؤسسة رسمية على أراضي الجمهورية، والتي تناط بها كل المشاريع التي تنفذها الدولة، وتغار من نفوذها كل الوزارات، لا سيما أن موازنتها تصل إلى
نحو 1300 مليار ليرة سنوياً، أي 860 مليون دولار (بحسب موازنة العام 2010). 622 ملياراً منها يحصل عليها عن طريق القروض، 22 ملياراً للتشغيل، فيما الباقي، يكون
يديره عبر قوانين برامج يقوم بموجبها بتنفيذ مشاريع مختلفة لصالح الوزارات، ويحصل من خلالها على 1% «بدل أتعاب»!
وفي ما يلي سنتناول موضوعي «النقد في الصندوق» والفوائد والعمولات، الواردين في الميزانية العمومية الموقوفة بتاريخ 31 كانون الأول 2003، والتعديلات التي أجريت
عليها بموجب التقرير المفصل الذي أصدره مكتب التدقيق الدولي ديلويت أند توش بتاريخ 20 كانون الأول 2004 عن حسابات المجلس.
أولاً ـ النقد في الصندوق:
يتبين في نظرة سريعة إلى ما ورد في التدقيق الذي أجرته الشركة في أحد التقريرين أن مجموع الرصيد حسب الدفاتر يبلغ 115.986 مليار ليرة، فيما التعديلات الناتجة
من التدقيق تبين أن الرصيد يجب ان يكون 116.352 مليار أي بفارق 365 مليون ليرة، أما تفاصيل فقرة النقد في الصندوق ولدى مصرف لبنان فيوضحها في الجدول رقم واحد.
ومع افتراض حسن النية في الأخطاء المقترفة، فإنه لا بد من رسم علامات استفهام عدة حول مسك الحسابات في مؤسسة مسؤولة عن إدارة آلاف مليارات الليرات، لا سيما
أنه يتبين مما سبق أنه من أصل خمسة حسابات تتعلق بالأموال النقدية الموجودة فعلياً في الصندوق أو المودعة لدى مصرف لبنان هناك أربعة حسابات اقتضت التعديل. فهل
يمكن الركون إلى محاسبة ترتكب مثل هذه الأخطاء؟ وتستوجب حساباتها مثل هذه التعديلات؟ وماذا سيكون حال حسابات مجلس الإنماء والإعمار فيما لو لم تخضع حساباته
لتدقيق مكتب محاسبة أجرى مثل هذه التعديلات؟ والأدهى من ذلك أن هذه التعديلات اكتشفت رغم ان التدقيق قد تم على أساس العينة والاختبار، كما جاء في التقرير، فأي
نتيجة كان يمكن للحسابات أن تسفر عنها، فيما لو أجري تدقيق شامل لجميع مكونات الحسابات؟ وبما ان أخطاء كهذه لا يمكن أن تكون نتاج سنة مالية واحدة، فلماذا لم
يشر مكتب التدقيق «ديلويت أند توش» لها خلال السنوات الثلاث عشرة السابقة؟
وبالعودة إلى الحسابات نفسها، فهي أيضاً تسمح بطرح مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى تفسير من المعنيين:
- هل يعقل أن تجهل محاسبة مجلس الإنماء والإعمار حقيقة رصيد حساباتها المودعة لدى مصرف لبنان، فتسقط من هذا الحساب مبلغاً يزيد على 2,7 مليار ليرة لبنانية من
رصيد حساباتها الجارية المفتوحة لدى هذا المصرف؟
- وهل يعقل أن تكون محاسبة مجلس الإنماء والإعمار قد سحبت حوالى 2,4 مليار ليرة لبنانية من حساب التأمينات المفتوح باسم المجلس لدى مصرف لبنان دون أن تدون هذه
السحوبات في قيودها؟
- كيف يودع المجلس تأمينات لدى مصرف لبنان لصالح وزارة الاتصالات، ثم تسيء محاسبة المجلس إدارة قيود هذا الحساب؟ ولِم لم تقم وزارة الاتصالات بإيداع هذه التأمينات
باسمها مباشرة لدى مصرف لبنان؟
لقد ورد في التقرير المفصل الذي أصدره مكتب التدقيق «ديلويت أند توش» ما يلي:
«لقد حصلنا على تأكيد مباشر من مصرف لبنان لأرصدة حسابات المجلس كما في 31 كانون الأول 2003، كما قمنا بمراجعة كشوفات التسوية التي جهزها المجلس للتوفيق بين
الأرصدة الظاهرة في دفاتره والأرصدة الظاهرة في كشوفات المصرف كما في 31 كانون الأول 2003، ولاحقنا اختبارياً تصفية البنود العالقة في الفترة اللاحقة»، الأمر
الذي يستوجب الملاحظات الآتية:
- لِم لم تقم محاسبة المجلس بالتوفيق دورياً بين أرصدة حساباتها الظاهرة في دفاتر المجلس والأرصدة الظاهرة في كشوفات مصرف لبنان؟
- ومع افتراض حسن النية دائماً، ولكن ألا يمكن أن تشجع مثل هذه الأخطاء على التواطؤ على اختلاس المال العام؟
- ألا يفترض بمكتب التدقيق الدولي ديلويت أند توش أن يلفت شفهياً على الأقل إلى عدم قدرة الإدارة المالية الممسكة بحسابات مجلس الإنماء والإعمار على القيام
بالحد الأدنى من المهام المنوطة بها؟ إذ ان ما ظهر في العام 2003 لا شك مستمر حتى يومنا هذا، ولو تم التنبيه إلى الأمر في تلك الفترة لما استمرت الأخطاء تتكرر
في السنوات اللاحقة؟
ثانياً ـ الفوائد والعمولات:
بالانتقال إلى بند الفوائد وعمولات الموجود ميزانية العام 2003، يتضح أن الرصيد حسب الدفاتر هو 33.642 مليار ليرة، فيما هو في الواقع لا يتعدى 28.496 ملياراً،
أي أن التعديلات الناتجة من التدقيق تصل إلى 5.146 مليارات.
وقد ورد في التقرير المفصل الذي أصدره مكتب التدقيق ما يلي:
«إن الفوائد السارية على القروض التحويلية تقابلها فوائد للدفع على القروض من المصادر الخارجية والمصاريف الممولة للمشاريع التي يقوم المجلس بإدارتها.
لقد راجعنا احتساب هذه الفوائد واقترحنا التعديلات اللازمة العائدة لها، مع الإشارة إلى أن المجلس لا يعتمد سياسة وافية للاستدراك للفوائد المرتبطة بالقروض
التحويلية. وقد تم تعديل قيمة الاستدراك للفوائد المستحقة بنهاية السنة في البيانات المالية من خلال قيود تعديلية نتجت من إجراءات التدقيق.
ويتضمن هذا البند أيضاً استدراكات فوائد على القروض الممولة لمشاريع على عاتق مجلس الانماء والاعمار. لقد تم قيد هذه الفوائد على حساب الدولة اللبنانية. يتم
إظهار هذه الفوائد بمثابة ملحوظات الموازنة وقيدها على حساب الدولة اللبنانية على أساس أن هذه التكاليف تعتبر على عاتق الدولة اللبنانية وستسدد من قبلها لحساب
المجلس».
أما قيمة التعديلات الناتجة من تدقيق «بند فوائد وعمولات سارية غير مستحقة القبض»، فبلغت 4.993.716.000 ليرة لبنانية مفصلة في الجدول الرقم 2.
كما أن قيمة الاستدراكات فقد بلغت 152,700,000 ليرة لبنانية مفصلة في الجدول الرقم 3.
وبذلك يتبين أن مجموع التعديلات والاستدراكات التي وردت في التقرير المفصل قد بلغ 5,146,416,000 ليرة لبنانية من أصل قيمة الفوائد والعمولات برسم القبض، المحتسبة
من قبل محاسبة مجلس الإنماء والإعمار والمسجلة في قيوده، والبالغة 33,642,753,000 ليرة لبنانية، أي ما نسبته 15,3%!
وفي ما يتعــلق بالفوائـد والعمــولات للدفع، فقــد ورد فــي التقـرير المفصل الذي أصدره مكتب التدقيق «ديلويت أند توش» ما يلي:
«يمثل هذا البند الفوائد السارية غير مستحقة الدفع على القروض الخارجية. راجعنا احتساب هذه الفوائد ونتج من هذه المراجعة التصحيحات المبينة أدناه والتي وافق
عليها قسم الإدارة المالية في المجلس».
وفي هذا البند يتضح أن الرصيد الصحيح يقل بنحو خمسة مليارات ليرة عن الرصيد الوارد في دفاتر مجلس الإنماء والإعمار (33.344 مليار ليرة)، أي ما نسبته 15%، والمبينة
تفصيلاً في الجدول الرقم 4.
وطرح واقع الفوائد والعمولات للقبض أو للدفع بقود إلى ثلاثة أسئلة جوهرية لا بد أن تكون الإجابات عليها وافية، وأولها: هل يمكن أن يعهد إلى مجلس الإنماء والإعمار
بإدارة القروض إذا كانت محاسبته عاجزة عن احتساب قيمة الفوائد المتوجبة على هذه القروض وعن مسك حساباتها بالتالي؟
وثانيها، يقود إلى وزارة المالية ومسؤوليتها، فهل الوزارة التي جرى قيد الفوائد وفروقاتها عليها على علم أو على اطلاع على حسابات الفوائد والقروض وعلى ما يسجل
عليها بالتالي؟ وما هو دورها في إدارة محاسبة القروض؟ هل هي مجرد مسجل ودافع؟ أم أن لها الحق بالتدقيق والتعديل والتصحيح؟ ولِم لم تفعل ذلك؟
وثالث الأسئلة أنه من ضمن الفوائد على القروض التحويلية فوائد على قروض لمؤسسات القطاع الخاص (جامعة القديس يوسف ومستشفى أوتيل ديو ـ مستشفى البربير ـ مركز
الرعاية الصحية للطائفة الدرزية ـ المستشفى الإسلامي)، فما هو مصير هذه القروض والفوائد، ومن يتحملها؟ لا سيما أن مستشفى البربير، على سبيل المثال، مقفل منذ
أمد بعيد؟
مما سبق من أسئلة، يتبين أن الأجوبة ربما تقود إلى مكان واحد، فنزع القفة عن إدارة هذه المؤسسـة ونظام المحاسبة فيها، ربما بات أمراً ملحاً يجب ان يكون بنداً
أولَ على جدول أعمال الحكومة المقبلة، إن تشكلت.
السفير
No comments:
Post a Comment