دكّانة في وزارة المال
ديوان المحاسبة: المركز الآلي فوّت المليارات على الخزينة
المركز الآلي في وزارة المال يفوّت الأموال على الخزينة (مروان طحطح)
حين ينشأ جهاز جديد في وزارة المال بلا أي توصيف قانوني لمهماته وصلاحياته، ثم يأتي مستشار للوزير ليديره خلافاً للأصول، وبعد ذلك يتبين أن البرامج المعلوماتية لا تتلاءم مع النصوص القانونية، فضلاً عن عدم دقة المعلومات وتكرار الأعطال الناجمة عنه.... فلا بدّ أن تكون النتيجة شبيهة بنتائج إدارة «دكّانة». هذا هو المركز الآلي في وزارة المال وفق رواية ديوان المحاسبة
محمد وهبة
«بسبب عدم ترابط الأنظمة المعلوماتية في ما بينها وعدم تكاملها، سمحت الآلية المعتمدة لتنفيذ المعاملات، خصوصاً في معاملات التسجيل العقارية، لبعض ذوي العلاقة، أو من ينتدبونهم من الوسطاء، بتزوير أوامر القبض (...) وقد أدّى ذلك، بحسب تقارير للتفتيش المالي التابع للتفتيش المركزي، إلى خسارة مبالغ كبيرة، وصلت إلى عدّة مليارات من الليرات، وفقاً لقيم العمليات التي شابها التزوير واكتُشفت».
هذه الخلاصة ليست سوى غيض من فيض المركز الآلي في وزارة المال. فبحسب دراسة أجراها ديوان المحاسبة وضمّنها تقريره السنوي عن الأعوام 2006 ـ 2008، تكرّرت الأعطال التي تصيب عمل أنظمة التحصيل في المحتسبيات، فيما تعطّلت بعض النصوص القانونية بسبب عدم تلاؤم البرامج المعلوماتية معها، فضلاً عن تفويت مليارات الليرات على الخزينة، وعدم دقّة استكمال المعلومات حول بعض المكلفين.
شوائب نواة فنّية
في الواقع، تشير دراسة ديوان المحاسبة، إلى أن إنشاء المركز الآلي في وزارة المال لم يستند إلى تشريع قانوني يحدّد اختصاصاته. فقد جاء القانون 1/70، ليجعل ملاك المركز الآلي دائماً ويثبّت موظفيه من مبرمجين ومحللين ومشغلين «ليبدو وكأنه نواة الوحدة الفنيّة المنشأة لمواكبة تطور تقنيات المعلوماتية والبرمجة، التي كانت لا تزال في بدايات مراحل نموّها واستخدامها». ورغم الحاجة إلى مثل هذا المركز، وضرورة مواكبة التطورات وتأثيرها على أعمال الوزارة والمكلّف، كان مشوباً بمظاهر الخروج عن الأصول والقواعد والنصوص التي ترعى هذا النوع من التحولات.
على أي حال، أوكلت إلى المركز مهمات عديدة وبات يقوم بالأعمال الآتية: إعداد كل البرامج المعلوماتية وصيانتها، تصميم وتركيب وصيانة الشبكات، تركيب وصيانة التجهيزات المعلوماتية، وإدارة الأنظمة والشبكات المعلوماتية. وبحسب الدراسة فإن جميع العاملين في المركزي متعاقدون.
خدمة للوزير
من أبرز الملاحظات على عمل المركز، ما يتّصل بمسألة الإشراف عليه وإدارته. فالدراسة تشير إلى أن المرسوم 14940 حدّد الملاك الدائم، ونصّ على أن يشرف مدير المالية العام مباشرة على أعمال هذا المركز، «خلافاً لما هو عليه الواقع، بحيث يتولى أحد مستشاري وزارة المال مهمة الإشراف عليه».
ليست هذه هي الإشكالية الوحيدة في المركز الآلي، فهناك مشاكل عديدة تعانيها الوزارة، وتذكرها الدراسة على النحو الآتي:
ــ تبيّن خلال السنوات الماضية، أن المحتسبيات في الوزارة تشكو من تكرار الأعطال التي تصيب عمل أنظمة التحصيل، وشكا بعضها من توقف العمل بسبب انقطاع الكهرباء من دون توفير مصدر بديل للطاقة خلال فترات انقطاع التيار المتكررة والطويلة، والتي يمكن أن تستمر 4 أو 6 ساعات من أصل الدوام الإداري، وهو ما يحمّل المكلف عبء الانتظار أو العودة مرّة ثانية أو غرامات التأخر.
ــ تعطلت بعض النصوص أو الحالات القانونية بسبب عدم تلاؤم البرامج المعلوماتية معها، فعلى سبيل المثال، لم يأخذ برنامج نظام دفع رسوم السير المعتمد، والمفتوح لاستخدامه لدى المصارف، في الحسبان الحالات التي يقع فيها تاريخ انتهاء مهلة دفع هذه الرسوم في يوم عيد أو عطلة رسمية، علماً بأن النصوص النافذة تمدّد مهلة الدفع إلى أول يوم عمل يلي انتهاءها، لكن البرنامج يحرم بعض المكلفين من الاستفادة من الإعفاءات ويكبّده غرامات بنسبة 10%.
ــ لا يسمح تصميم سند الملكية الصادر عن الدوائر العقارية بذكر حق الاستثمار في الحالات التي يعود فيها هذا الحق إلى أكثر من شخص واحد.
تفويت أموال الخزينة
ــ بسبب عدم ترابط الأنظمة المعلوماتية في ما بينها وعدم تكاملها، سمحت الآلية المعتمدة لتنفيذ المعاملات، لا سيما في معاملات التسجيل العقارية، لبعض ذوي العلاقة، أو من ينتدبونهم من الوسطاء، بتزوير أوامر القبض، وقد أدى ذلك، بحسب تقارير للتفتيش المالي التابع للتفتيش المركزي، إلى خسارة مبالغ كبيرة، وصلت إلى مليارات عدة من الليرات اللبنانية، وفقاً لقيم العمليات التي شابها التزوير واكتشفت.
ــ عدم الدقّة في استكمال المعلومات حول بعض المكلفين، فالمحتسبيات في المناطق ودائرة تحصيل بيروت تشهد العديد من الإشكالات الناتجة من تشابه الأسماء، فيما يؤدي عدم ظهور كل المعلومات اللازمة على الشاشة، من تمييز اسم المكلف الثلاثي الحقيقي ورقم سجله، إلى إيقاف المعاملة ومطالبة صاحبها الحاضر بتسديد الضريبة أو تقديم الإثبات على عدم علاقته بالمكلف وباختلاف ذمّته عن ذمة المكلف الحقيقي الذي تجب عليه الضريبة أو الغرامة أو الرسم.
ــ بسبب عدم انسجام النظم المعدّة من المركز الآلي مع النصوص النافذة، استمرّت بعض التكاليف الضريبية بالظهور على الشاشة رغم تسديد قيمتها.
ــ برزت إشكالية واضحة بين المركز الإلكتروني وفريق المحاسبة الخاص، فالعلاقة بينهما تشوبها ازدواجية انتماء وتبعية؛ فبحسب الدراسة، يفترض أن يتبع عناصر فريق المحاسبة الخاص إدارياً إلى دائرة المحاسبة والصناديق ضمن مديرية الخزينة والدين العام، فيما الجهاز مرتبط تقنياً بالمركز الآلي الذي يتولّى الإشراف على شبكة ونظام وأجهزة هذا الفريق والبرامج التي يعتمد عليها العاملون فيه.
وقد نجم عن هذا الأمر تنازع على الصلاحيات بين رئيس الفريق الخاص، ومدير مشروع مكننة مديرية الواردات في المركز الإلكتروني؛ فالأول أوضح أنه مسؤول أمام ديوان المحاسبة عن نتائج أعمال الفريق، أي أن العاملين في الفريق يتبعون لسلطته لجهة ضبط الدوام ومراقبته وضبط عدد ساعات العمل... وفي المقابل ادعى الثاني، أن الأعمال الإدارية التي يتولاها أناطتها به الإدارة وبمعرفتها، أي أن الطبيعة الفنية لعمل الفريق تُبرّر تبعيّة العاملين فيه إلى مدير المشروع ذي الطبيعة الفنية، التابع للمركز الإلكتروني.
________________________________________
%45 مضمونون
41 مليون ليرة سنوياً هو متوسط أعباء المتعاقد الواحد في عام 2006، ولذلك يرى ديوان المحاسبة أن تعويضات المسؤولين القياديين في المركز تتجاوز هذا المبلغ، علماً بأن بعضها يتجاوز ما يحصل عليه الموظفون في القطاع الخاص
________________________________________
العدد 1393
20 نيسان 2011
الاخبار
No comments:
Post a Comment