Sunday, June 20, 2010

للتوفير بين 40 و50% من المياه: متى يصبح اعتماد «الري الحديث» إلزامياً؟

واصف شرارة

نتيجة الضغط الزائد والحاجة المتزايدة للماء وبعد أن أصبح الوضع المائي حرجاً. وبعد أن بات الجفاف يهدد مصادر المياه وينعكس سلباً على حجم الزراعات المروية والمحاصيل
الزراعية والبعلية وحتى على مياه الشرب، تتجه الكثير من الدول الى إقرار مشاريع التحول الى الري الحديث وعدم التغافل عنها لأنه يساعد في خفض نسب الضياع الكبيرة
في كميات المياه المستخدمة وفق أساليب الري التقليدية المتبعة.
وهذا التوجه الذي لا بد منه يعتبر محطة انطلاق مهمة للمساهمة في وضع آليات صحيحة لمواجهة نقص الموارد المائية والحد من الاستنزاف الجائر لها، خاصة ونحن أمام
محدودية في الكميات المتوفرة وأمام موجات جفاف متلاحقة.
والتحول الى الري الحديث تجربة سبقتنا إليها العديد من الدول بعد ان أثبتت جدواها كونها توفر بين 40 ـ 50% من المياه المستخدمة في الري وهذه النسبة مغرية للمزارعين
وللدولة على حد سواء. فهذه الأخيرة هي التي تواجه مشكلة الجفاف ويقع على عاتقها أولاً توفير المياه وإيجاد مصادر جديدة وترشيد استخدام المياه في مختلف المجالات،
علما بأن أكثر من نصف مواردنا المائية تستخدم في الزراعة. وإذا نظرنا الى الحالات التي يلجأ اليها المواطن لتدبر أمره خاصة في فترات الشحائح وخلال فصل الصيف،
نجد انه يضطر الى وضع موازنة خاصة لشراء صهاريج المياه، سواء للاستعمال المنزلي أو الشرب أو لري مزروعاته، وبعد ان ثبت عدم قدرة الزراعة البعلية على ان تكون
زراعة ذات جدوى اقتصادية يعتمد عليها المزارع في حياته، علما بأن سعر صهريج المياه الذي يتسع لـ10 براميل (سعة البرميل 200 ليتر) يصل الى حوالى 30 دولاراً للنقلة
الواحدة، وهذه كلفة إضافية. وإذا كانت الحكومة قد وافقت في السابق على اعتماد خطة عشرية ورسمت سياسة مائية قضت بإنشاء بعض السدود الصغيرة والمتوسطة الحجم الى
جانب تشجيع حفر وإنشاء البرك التلية او الترابية، إلا ان هذه الخطط لم ينفذ منها إلا القليل ويبقى القرار بإلزامية استعمال الري الحديث بحاجة الى من يظهره كونه
لا يحتاج إلا لغطاء مادي يعمم تجربته التي بدأ بتطبيقها المشروع الأخضر منذ عشرات السنين واستطاع خلالها إضافة آلاف الدونمات الى المساحة الزراعية المروية وفق
أساليب الري الحديث، ولا سيما الري بالتنقيط.
زيادة الاعتمادات
وإذا كان المشروع الأخضر قد استطاع إضافة أكثر من 2100 من الدونمات الزراعية المروية الى الري الحديث خلال السنوات العشر الماضية وحدها، فإنه كان بالإمكان لهذه
المساحة ان تكون اشمل او أعم لو توفرت الاعتمادات اللازمة لها، لأن المساعدة التي يقدمها المشروع الأخضر للمزارع والتي هي بقيمة عشرة ملايين ليرة للمزارع كحد
أقصى ومنذ العام 1994 لغاية تاريخه، لم تعد كافية ولم تعد تتماشى مع ارتفاع الأسعار الذي طرأ منذ ذلك الحين لغاية تاريخه، علماً بأن هيئة التفتيش المركزي قد
أوصت بموجب قرارها عام 2000 برفع هذه المساعدة من عشرة الى عشرين مليون ليرة، لكن هذا لم يترجم بعد. وفي حال تم إقرار ذلك فإن بإمكان المشروع الأخضر ان يضع
شرطاً أساسياً يلزم فيه المزارع باعتماد الري الحديث بعد ان يكون المزارع قد استصلح عقاره وأقام الجدران والتصاوين وأنشأ خزان المياه اللازم لري مزروعاته كون
المساعدة تصبح عندها مقبولة ومعقولة ويمكن للمزارع ان يشعر بأن عليه ان يساهم بالمبلغ القليل الذي يستطيع تحمله.
أما في الحالة السابقة (حالة 10 ملايين) فإن المزارع عليه ان يساهم بمثلها ان لم نقل أكثر. إضافة الى انه بإمكان المشروع الأخضر تطبيق إلزامية الري الحديث على
كل مزارع مستفيد من تقديماته ومن مساعداته ويمكن وضع الضوابط القانونية لهذا الموضوع التي تعود بالفائدة الحتمية على المزارع والدولة في آن واحد.
إن مشروع التحول الى الري الحديث يحتاج الى جهد وعمل وطني وجماعي مشترك يضعه مع القرارات التشجيعية والإجراءات التسهيلية على سلم الأولويات والاهتمام لدى جميع
الجهات المعنية، باعتباره يلعب دوراً مهماً وكبيراً في مجال خفض نسب الضياع في كميات المياه المستخدمة وفق أساليب الري التقليدية، إضافة الى إسهامه بتوفير استهلاك
الطاقة وخفض تكاليف الإنتاج الزراعي، ورفع الإنتاجية في وحدة المساحة وغير ذلك من الأمور التي تصب في النهاية في تحسين دخل المزارعين.
ان التعاون مطلوب بين جميع الجهات المعنية للوصول الى آليات تطبيق صحيحة لمراحل التنفيذ وتحقيق التطوير المطلوب لأنظمة الري وبالتالي خفض نسب الهدر والضياع
في كميات المياه المستخدمة للري.
معالجة الآبار المخالفة
وقد يكون من أولى الضرورات التوجه الى معالجة وضع الآبار المخالفة وتنظيم الاستجرار غير المرشد من الموارد المائية المتعددة والعمل للاستفادة من خدمات وتجارب
الأبحاث الزراعية المنتشرة في المناطق وتطبيق الشروط الفنية المتعلقة بالمتانة والجودة لتجهيزات الري اللازمة لتكون ضمن المواصفات التقنية المطلوبة.
اننا ونحن ندعو الى الإسراع باعتماد هذه الآلية نرى ان أمر تطبيقها لا يحتاج سوى لبضعة قرارات إدارية متزامنة مع لحظ اعتمادات إضافية، لها لأن وضع الضوابط اللازمة
والمباشرة بتعميمها سينعكس إيجاباً على الزراعة زيادة في الإنتاج وتوفيراً للمياه التي يمكن ان تستخدم في زيادة رقعة المساحات الزراعية ومواجهة موجة الجفاف
وتعويض النقص الحاصل في الموارد المائية، بعد ان شكلت عمليات الري التقليدي للأراضي الزراعية استنزافاً لمياه الآبار والأقنية وانخفاض الإنتاجية السنوية للمساحات
الزراعية وخروج بعضها من دائرة الاستثمار الزراعي فضلاً عن ان الطرق العشوائية في الري أدت الى انحسار كمية المياه وجفاف الآبار وينابيع الأنهار. لقد اكدت جميع
الدراسات التي أجريت في مراكز الأبحاث الزراعية نتيجة التبدلات المناخية وانحباس الأمطار وقلة واردات المياه وللمحافظة على الميزان المائي ضرورة اعتماد وسائل
الري الحديث كأنجع طريقة للإقلال من هدر المياه والاستخدام الأمثل للمياه العذبة في الزراعة.
إن التوجه لتعميم تجربة الري الحديث تحتاج الى من ينتقل بها كعمل متمم من الأعمال التكميلية التي يقوم بتنفيذها المشروع الأخضر منذ أواخر ستينيات القرن الماضي
الى شرط أساسي يستطيع من يقوم او من يتطلع الى تنفيذها للحصول على المساعدة التي يقدمها المشروع الأخضر.
لقد كانت المياه ولا تزال أولوية في عمل المشروع الأخضر لكن تطبيق إلزامية اعتماد الري الحديث تحتاج الى تخصيص المشروع الأخضر بالاعتمادات اللازمة والى رفع
قيمة المساعدة التي يقدمها المشروع لتصبح عشرين مليون ليرة بدلاً من العشرة ملايين، لأن مشروعا كهذا (اعتماد الري الحديث) يحتاج لتقديم الحوافز لتعميمه وتذليل
العقبات التي تعترض انتشاره.
م. واصف شرارة
السفير

No comments:

Post a Comment