Sunday, June 20, 2010

يساريو المسيحيين: الأغلبية في المنازل... والبقية بين الأجنحة المتكسّرة (1)
«حـزب الأرثـوذكـس».. صـار مضـطـهـداً بيـن أبنـائـه

كلير شكر

عام 1974، في الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني، «فلشت» القيادة نشاطاتها الاحتفالية على رقعة مناطق نفوذها كافة، بما فيها الأشرفية. وقتذاك، تواجه
الخصمان «اليساري» و«اليميني»، في عقر دار حزب «الكتائب»، تارة ديموقراطياً، وطوراً عنفياً. خشي الكتائبيون تمدد «الحمر» طالبياً، تنظيمياً واجتماعياً. وقتذاك،
دوّن الحزب الشيوعي في سجلات التنسيب الحزبية، من أبناء الأشرفية، ما يوازي ضعفي الحضور الكتائبي في الجناح الشرقي للعاصمة.
لتلك المنطقة رمزيتها في الوجدان اليساري، تعاكس الصورة «اليمينية» التي طغت فيما بعد، عليها. في نهاية الأربعينات، كانت الأشرفية الخزّان البشري للحزب الشيوعي،
و«منبت» أبرز رجالاته. كثيرة هي الأسماء التي تثبت القول بالفعل، وتضفي على المشهد لوناً أحمر، غير مألوف بالنسبة لبعض المسيحيين.
في المنطقة ذاتها، وبعد أكثر من سبعين سنة، لا تزال الهيكلية الحزبية قائمة، ولكنها أشبه بـ«هيكل عظمي» يفقد، يوماً بعد يوم، أجزاءه. مركز الجاذبية معطّل، والأعضاء
إلى مزيد من التفكّك. والنتيجة، الأغلبية التنظيمية من الشيوعيين عموماً، ومسيحييهم خصوصاً، ينكفئون عن العمل الحزبي، في منازلهم.
قبل الحرب اللبنانية، كان لمفهوم «اليسار» حتى في الأوساط غير المسيّسة، مدلولات خاصة، هو صاحب الأفكار التغييرية، الثورية، الأممية، النضالية... بتقدير بعض
أهله «المعترضين»، هو اليوم فاقد للهوية، بغياب القضية الجامعة، على المستويين الوطني والاقتصادي - الاجتماعي، فيما انتهى «المركز»(الأممي) الجاذب الى غير رجعة.

منذ انطلاقته لبنانياً، لم يستهدف الحزب الشيوعي منطقة دون الأخرى، أو طائفة دون الأخرى، وإنما خاطب شرائح طبقية واجتماعية محددة تتقاسمها كلّ البيئات. لكن
الانفتاح الثقافي الموروث تاريخياً عن أجيال الاستعمار، ساهم في تقديم الوسط المسيحي «خميرة» في الاندفاعة الجماهيرية الشيوعية. لتلك المعادلة حيثياتها المرتبطة
بالتواصل التاريخي بين المسيحيين عموماً، والأرثوذكس خصوصاً، والغرب عموماً، وروسيا القيصرية خصوصاً. معظم الأمناء العامين الذين تولوا قيادة الحزب كانوا مسيحيين،
يوسف ابراهيم يزبك (1924- 1925)، فرج الله الحلو (1954- 1959)، نقولا الشاوي (1964- 1979)، (1979- 1983 رئيساً)، جورج حاوي (1979- 1993). القيادة المسيحية كانت
مفتاح العبور إلى الساحات الأخرى.
بين الأرثوذكس وروسيا القيصرية
العلاقة الأيديولوجية والسياسية تاريخياً مع روسيا السوفياتية كدولة أرثوذكسية عظمى، مع أرمينيا السوفياتية، ومع الحزب الشيوعي الفرنسي (لا سيما تحت الانتداب
الفرنسي)، عامل عزّز من مكانة الحزب الشيوعي لدى المسيحيين، لا سيما الأرثوذكس، الأرمن والأقليات، وسمحت بانتشاره بين صفوفهم، وباستقطاب بعض النخب المثقّفة
من الموارنة والكاثوليك. لكن بين الأرثوذكس واليسار علاقة عضوية تاريخية، لدرجة وصف الحزب الشيوعي بـ«حزب الأرثوذكس»، ويقال مثلاً إنه في ثلاثينيات القرن الماضي،
كان كاهن بلدة بتغرين يقيم الصلاة على نيّة ستالين، فيما بعض الأهالي كانوا يرسمون المنجل والمطرقة في حدائقهم، ارتباطاً بروسيا الأرثوذكسية!
وإذ شكّل الجمهور الشيعي الخزان الأساسي للحزب الشيوعي في عصره الذهبي (الستينيات والسبعينيات)، كما اليوم، لارتباط أجندته العقائدية والاجتماعية - الاقتصادية
باهتمامات هذه البيئة وهمومها، فإن الجمهور المسيحي كان الرافد الثاني حجماً في تزخيم حضوره الشعبي.
في جردة تاريخية للبصمة المسيحية على الرقعة اليسارية عموماً، والشيوعية خصوصاً، لا بدّ من الوقوف لدى محطات رمزية لها دلالاتها، وتركت أثرها على نمو هذه الحركة
وازدهارها لبنانياً. في عام 1924، كان اللقاء الأول للمؤسسين للحزب الشيوعي في بلدة الحدث، قلب المتن الجنوبي. معظم الحاضرين كانوا من أبناء الطوائف المسيحية،
فؤاد الشمالي، يوسف ابراهيم يزبك، خيرالله خيرالله وغيرهم.
صلتا رحم اثنتان شدّتا الوسط المسيحي إلى الأفكار الشيوعية، التواصل الطبقي - العمالي، لا سيما أن معامل «الريجي» كانت تتمركّز في منطقة بكفيا وضواحيها، والتواصل
الثقافي الذي منح جبل لبنان ميزة انفتاحية مع تنشّقه هواء الثورات التي قامت في العالم. في أول احتفال علني للحزب في الأول من أيار، الذي جرت وقائعه عام 1924
في سينما «كريستال» في ساحة البرج، كان اللون المسيحي لعمّال «الريجي» طاغياً على الجمهور.
ثلاثينيات القرن الماضي، شهدت استشهاد فرج الله الحلو أميناً عاماً، بعدما كانت أولى منظمات الحزب تولد في انطلياس، التي ستتلّون لاحقاً بالأحمر، على يد قبلان
مكرزل، سليم بوكرم وغيرهم، وهي التي ستقّدم ، في 12 نيسان 1936، أول شهيديْن شيوعييْن، نمر الرموز وحبيب دياب، خلال تظاهرة مطلبية للسائقين.
خلال معركة الاستقلال، كان الحزب في صفوف المناضلين، لا بل شارك أرتين مادايان وفرج الله الحلو وجورج حنا في اجتماعات «سكرتيريا» المؤتمر الوطني للتحرّك النضالي
لاستعادة القادة المعتقلين، بموازاة حركة انتشار واسعة كان الشيوعيون قد سجّلوها في البيئة المسيحية.
بين العامي 1948 و1955 صارت «الماركسية» تهمة تلحق القمع والاعتقال بمن ألصقت به، وذلك بفعل الصراع المحتدم بين الاتجاه الناصري والتوجه الشمعوني، الملازم لتحريض
طائفي مركّز على الوسط المسيحي، كان على حساب الموجة اليسارية في تلك البقعة.
أولى محطات الافتراق
في تلك الأيام زرعت أولى بذور التباعد بين الأفكار الشيوعية والمنطق المسيحي، في الوقت الذي بدت فيه البيئات الأخرى، المسلمة تحديداً، أكثر قابلية للتفاعل مع
الخطاب اليساري، في خياره العربي والمقاوم الذي تجلّى في مهمة «الحرس الشعبي» التي ارتضاها لنفسه في تلك الفترة، وفرضت طابعاً علنياً لحركته، لا سيما في نهابة
الستينيات، وإن لم يستحصل على العلم والخبر إلا في ايام كمال جنبلاط وزيراً للداخلية عام 1970.
تأثيرات أحداث الـ1958 لم تقطع حبل الودّ بين المنطق الشيوعي في شقّه الاجتماعي، والشارع المسيحي، ولم يشعر الأول بخصومة الثاني في معارك المستأجرين، إفلاسات
المصارف، وغيرها من القضايا الاجتماعية - المعيشية.
بعد نكسة الـ68، تراكمت الملفات التباعدية بين الفريقين، وزادت تعقيدات العلاقة. صراع «الحلف» و«النهج» أرخى مناخاً طائفياً، على حساب الفكر اليساري العلماني،
واستخدمت القضية الفلسطينية كمتراس لبث مناخ تحريضي طائفي.
عشية الحرب، صارت البيئة المسيحية غير ملائمة للأفكار الشيوعية، فتباطأت حالات الانتساب، لتتوقف كلياً خلال المعارك بين أبناء الوطن الواحد. الكثير من الشيوعيين
المسيحيين هرّبوا من مناطقهم، لا سيما تلك المكشوفة عسكرياً، بعضهم الآخر «اعتزل» النشاط الحزبي العلني، والبعض الآخر انضم إلى صفوف الخصوم ليلعب دور «جيمس
بوند». في سن الفيل، الدكوانة، انطلياس، المتن الأعلى، البترون، الكورة وغيرها من المناطق، «صمد» الحزب إلى حين دخول القوات السورية. لم «تسقط» مواقعهم إلا
بفعل تغيير موازين القوى، وإنكفاء «الحركة الوطنية».
بعد عشرين سنة من «الاضطهاد»، يعود الشيوعي محمياً بدرع «الطائف» ولكنه عاجز عن سدّ الفجوة الزمنية، مفتقداً للجسم الفتي في تنظيمه، إن بفعل العمر، أو الهجرة،
أو غياب الحماسة. هنا يحمّله بعض اليساريين، مسؤولية تاريخية، لتفويت فرصة ذهبية، بسبب فشل القيادة في ملء الفراغ الذي أحدثه تراجع التنظيمات المسيحية الأخرى،
وفي استثمار نقمة الشارع على قادتهم، نتيجة عدم إقدامها على اتخاذ مبادرات جدّية تعيد «النفوذ الأحمر» إلى قلب جبل لبنان المسيحي.
...وما النتائج التي حققها الحزب الشيوعي بالأمس خلال الانتخابات البلدية، في واحد من «أقدم معاقله»، المتن الشمالي، إلا دليل إضافي على تراجع حضوره، على الرغم
من المبررات التي تقدمها القيادة، والمتصلّة بضيق الوقت و«سلق» الاستحقاق، بشكل لم يسمح للقوى «غير السلطوية» بتجهيز نفسها لخوض المعارك.
كلير شكر

images/btn_print
images/btn_closeAs-Safir Newspaper - نسخة للطباعة
سياسة
تاريخ العدد
19/06/2010
العدد
11620

يساريو المسيحيين: الأغلبية في المنازل... والبقية بين الأجنحة المتكسّرة (1)
«حـزب الأرثـوذكـس».. صـار مضـطـهـداً بيـن أبنـائـه

كلير شكر

عام 1974، في الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني، «فلشت» القيادة نشاطاتها الاحتفالية على رقعة مناطق نفوذها كافة، بما فيها الأشرفية. وقتذاك، تواجه
الخصمان «اليساري» و«اليميني»، في عقر دار حزب «الكتائب»، تارة ديموقراطياً، وطوراً عنفياً. خشي الكتائبيون تمدد «الحمر» طالبياً، تنظيمياً واجتماعياً. وقتذاك،
دوّن الحزب الشيوعي في سجلات التنسيب الحزبية، من أبناء الأشرفية، ما يوازي ضعفي الحضور الكتائبي في الجناح الشرقي للعاصمة.
لتلك المنطقة رمزيتها في الوجدان اليساري، تعاكس الصورة «اليمينية» التي طغت فيما بعد، عليها. في نهاية الأربعينات، كانت الأشرفية الخزّان البشري للحزب الشيوعي،
و«منبت» أبرز رجالاته. كثيرة هي الأسماء التي تثبت القول بالفعل، وتضفي على المشهد لوناً أحمر، غير مألوف بالنسبة لبعض المسيحيين.
في المنطقة ذاتها، وبعد أكثر من سبعين سنة، لا تزال الهيكلية الحزبية قائمة، ولكنها أشبه بـ«هيكل عظمي» يفقد، يوماً بعد يوم، أجزاءه. مركز الجاذبية معطّل، والأعضاء
إلى مزيد من التفكّك. والنتيجة، الأغلبية التنظيمية من الشيوعيين عموماً، ومسيحييهم خصوصاً، ينكفئون عن العمل الحزبي، في منازلهم.
قبل الحرب اللبنانية، كان لمفهوم «اليسار» حتى في الأوساط غير المسيّسة، مدلولات خاصة، هو صاحب الأفكار التغييرية، الثورية، الأممية، النضالية... بتقدير بعض
أهله «المعترضين»، هو اليوم فاقد للهوية، بغياب القضية الجامعة، على المستويين الوطني والاقتصادي - الاجتماعي، فيما انتهى «المركز»(الأممي) الجاذب الى غير رجعة.

منذ انطلاقته لبنانياً، لم يستهدف الحزب الشيوعي منطقة دون الأخرى، أو طائفة دون الأخرى، وإنما خاطب شرائح طبقية واجتماعية محددة تتقاسمها كلّ البيئات. لكن
الانفتاح الثقافي الموروث تاريخياً عن أجيال الاستعمار، ساهم في تقديم الوسط المسيحي «خميرة» في الاندفاعة الجماهيرية الشيوعية. لتلك المعادلة حيثياتها المرتبطة
بالتواصل التاريخي بين المسيحيين عموماً، والأرثوذكس خصوصاً، والغرب عموماً، وروسيا القيصرية خصوصاً. معظم الأمناء العامين الذين تولوا قيادة الحزب كانوا مسيحيين،
يوسف ابراهيم يزبك (1924- 1925)، فرج الله الحلو (1954- 1959)، نقولا الشاوي (1964- 1979)، (1979- 1983 رئيساً)، جورج حاوي (1979- 1993). القيادة المسيحية كانت
مفتاح العبور إلى الساحات الأخرى.
بين الأرثوذكس وروسيا القيصرية
العلاقة الأيديولوجية والسياسية تاريخياً مع روسيا السوفياتية كدولة أرثوذكسية عظمى، مع أرمينيا السوفياتية، ومع الحزب الشيوعي الفرنسي (لا سيما تحت الانتداب
الفرنسي)، عامل عزّز من مكانة الحزب الشيوعي لدى المسيحيين، لا سيما الأرثوذكس، الأرمن والأقليات، وسمحت بانتشاره بين صفوفهم، وباستقطاب بعض النخب المثقّفة
من الموارنة والكاثوليك. لكن بين الأرثوذكس واليسار علاقة عضوية تاريخية، لدرجة وصف الحزب الشيوعي بـ«حزب الأرثوذكس»، ويقال مثلاً إنه في ثلاثينيات القرن الماضي،
كان كاهن بلدة بتغرين يقيم الصلاة على نيّة ستالين، فيما بعض الأهالي كانوا يرسمون المنجل والمطرقة في حدائقهم، ارتباطاً بروسيا الأرثوذكسية!
وإذ شكّل الجمهور الشيعي الخزان الأساسي للحزب الشيوعي في عصره الذهبي (الستينيات والسبعينيات)، كما اليوم، لارتباط أجندته العقائدية والاجتماعية - الاقتصادية
باهتمامات هذه البيئة وهمومها، فإن الجمهور المسيحي كان الرافد الثاني حجماً في تزخيم حضوره الشعبي.
في جردة تاريخية للبصمة المسيحية على الرقعة اليسارية عموماً، والشيوعية خصوصاً، لا بدّ من الوقوف لدى محطات رمزية لها دلالاتها، وتركت أثرها على نمو هذه الحركة
وازدهارها لبنانياً. في عام 1924، كان اللقاء الأول للمؤسسين للحزب الشيوعي في بلدة الحدث، قلب المتن الجنوبي. معظم الحاضرين كانوا من أبناء الطوائف المسيحية،
فؤاد الشمالي، يوسف ابراهيم يزبك، خيرالله خيرالله وغيرهم.
صلتا رحم اثنتان شدّتا الوسط المسيحي إلى الأفكار الشيوعية، التواصل الطبقي - العمالي، لا سيما أن معامل «الريجي» كانت تتمركّز في منطقة بكفيا وضواحيها، والتواصل
الثقافي الذي منح جبل لبنان ميزة انفتاحية مع تنشّقه هواء الثورات التي قامت في العالم. في أول احتفال علني للحزب في الأول من أيار، الذي جرت وقائعه عام 1924
في سينما «كريستال» في ساحة البرج، كان اللون المسيحي لعمّال «الريجي» طاغياً على الجمهور.
ثلاثينيات القرن الماضي، شهدت استشهاد فرج الله الحلو أميناً عاماً، بعدما كانت أولى منظمات الحزب تولد في انطلياس، التي ستتلّون لاحقاً بالأحمر، على يد قبلان
مكرزل، سليم بوكرم وغيرهم، وهي التي ستقّدم ، في 12 نيسان 1936، أول شهيديْن شيوعييْن، نمر الرموز وحبيب دياب، خلال تظاهرة مطلبية للسائقين.
خلال معركة الاستقلال، كان الحزب في صفوف المناضلين، لا بل شارك أرتين مادايان وفرج الله الحلو وجورج حنا في اجتماعات «سكرتيريا» المؤتمر الوطني للتحرّك النضالي
لاستعادة القادة المعتقلين، بموازاة حركة انتشار واسعة كان الشيوعيون قد سجّلوها في البيئة المسيحية.
بين العامي 1948 و1955 صارت «الماركسية» تهمة تلحق القمع والاعتقال بمن ألصقت به، وذلك بفعل الصراع المحتدم بين الاتجاه الناصري والتوجه الشمعوني، الملازم لتحريض
طائفي مركّز على الوسط المسيحي، كان على حساب الموجة اليسارية في تلك البقعة.
أولى محطات الافتراق
في تلك الأيام زرعت أولى بذور التباعد بين الأفكار الشيوعية والمنطق المسيحي، في الوقت الذي بدت فيه البيئات الأخرى، المسلمة تحديداً، أكثر قابلية للتفاعل مع
الخطاب اليساري، في خياره العربي والمقاوم الذي تجلّى في مهمة «الحرس الشعبي» التي ارتضاها لنفسه في تلك الفترة، وفرضت طابعاً علنياً لحركته، لا سيما في نهابة
الستينيات، وإن لم يستحصل على العلم والخبر إلا في ايام كمال جنبلاط وزيراً للداخلية عام 1970.
تأثيرات أحداث الـ1958 لم تقطع حبل الودّ بين المنطق الشيوعي في شقّه الاجتماعي، والشارع المسيحي، ولم يشعر الأول بخصومة الثاني في معارك المستأجرين، إفلاسات
المصارف، وغيرها من القضايا الاجتماعية - المعيشية.
بعد نكسة الـ68، تراكمت الملفات التباعدية بين الفريقين، وزادت تعقيدات العلاقة. صراع «الحلف» و«النهج» أرخى مناخاً طائفياً، على حساب الفكر اليساري العلماني،
واستخدمت القضية الفلسطينية كمتراس لبث مناخ تحريضي طائفي.
عشية الحرب، صارت البيئة المسيحية غير ملائمة للأفكار الشيوعية، فتباطأت حالات الانتساب، لتتوقف كلياً خلال المعارك بين أبناء الوطن الواحد. الكثير من الشيوعيين
المسيحيين هرّبوا من مناطقهم، لا سيما تلك المكشوفة عسكرياً، بعضهم الآخر «اعتزل» النشاط الحزبي العلني، والبعض الآخر انضم إلى صفوف الخصوم ليلعب دور «جيمس
بوند». في سن الفيل، الدكوانة، انطلياس، المتن الأعلى، البترون، الكورة وغيرها من المناطق، «صمد» الحزب إلى حين دخول القوات السورية. لم «تسقط» مواقعهم إلا
بفعل تغيير موازين القوى، وإنكفاء «الحركة الوطنية».
بعد عشرين سنة من «الاضطهاد»، يعود الشيوعي محمياً بدرع «الطائف» ولكنه عاجز عن سدّ الفجوة الزمنية، مفتقداً للجسم الفتي في تنظيمه، إن بفعل العمر، أو الهجرة،
أو غياب الحماسة. هنا يحمّله بعض اليساريين، مسؤولية تاريخية، لتفويت فرصة ذهبية، بسبب فشل القيادة في ملء الفراغ الذي أحدثه تراجع التنظيمات المسيحية الأخرى،
وفي استثمار نقمة الشارع على قادتهم، نتيجة عدم إقدامها على اتخاذ مبادرات جدّية تعيد «النفوذ الأحمر» إلى قلب جبل لبنان المسيحي.
...وما النتائج التي حققها الحزب الشيوعي بالأمس خلال الانتخابات البلدية، في واحد من «أقدم معاقله»، المتن الشمالي، إلا دليل إضافي على تراجع حضوره، على الرغم
من المبررات التي تقدمها القيادة، والمتصلّة بضيق الوقت و«سلق» الاستحقاق، بشكل لم يسمح للقوى «غير السلطوية» بتجهيز نفسها لخوض المعارك.
كلير شكر
جريدة السفير

No comments:

Post a Comment