Sunday, June 20, 2010

مع سوء التخطيط والتوزيع والتلوث والهدر وغياب الاستراتيجية
ملف المياه في لبنان لا يختصر بإنشاء سدود مكشوفة وغير ضرورية

حبيب معلوف

في ظل التغيرات المناخية المتوقعة، والتي برزت طلائعها بوضوح هذا العام، مع ما تتركه من آثار سلبية على الأنظمة البيئية عامة وعلى الثروة المائية خاصة، وفي لبنان
تحديدا، وفي ظل توقعات لزيادة الطلب على المياه مع فورة العمران الكبيرة التي يشهدها لبنان، ومع توقعات بصيف حار وتوقع ارتفاع أعداد السياح وعودة بعض المغتربين
ووصول وضع المياه في لبنان إلى حالة الأزمة، إن لناحية الندرة أو النوعية، وتوقع زيادة الشكاوى في مختلف المناطق والأحياء، حول سوء أو نقص توزيع المياه... ومع
تزايد السجال حول عدم وضع موازنة لبناء السدود في الموازنة، وضعف النقاش حول المشاريع التاريخية التي تعرضها الدولة عبر إداراتها المعنية إن عبر ما يسمى «الخطة
العشرية» التي لم يتم التركيز فيها الا على بناء السدود أو عرض خصخصة القطاع... من دون وجود استراتيجية وطنية متفق عليها... برزت الحاجة إلى عقد مؤتمر وطني،
تشارك فيه الإدارات والجهات المعنية للتوافق على تشخيص المشاكل التي تواجه هذا القطاع الحيوي والحياتي، والاتفاق على استراتيجية وطنية عامة وشاملة لإدارة هذا
المورد الحيوي، والتي منها يمكن أن تقوم السياسات المطلوبة للإدارة.
ولكن لوضع استراتيجية ما عن أي موضوع، لا بد من توفر المعطيات الأولية عنه.
وهنا نستغرب كيف تم وضع «الخطة العشرية» منذ سنوات، من دون أن يكون لدى وزارة الطاقة المعطيات الكافية عن وضع هذه الثروة المائية في لبنان، كما يجزم معظم الخبراء
داخل وزارة الطاقة وخارجها!
وهنا نسارع إلى القول، ان وضع استراتيجية لإدارة المياه في لبنان، لا يمكن ان تكون منفصلة عن استراتيجية اعم عن البيئة او عن ما بات يسمى «التنمية المستدامة»،
بمعنى ان تشمل هذه الاستراتيجية كل القطاعات التي هي على ارتباط وثيق مع قطاع المياه، كقطاعات السكان وعددهم وتوزعهم ومعتقداتهم والعمران والسكن والإسكان والسياحة
والزارعة والصناعة والطاقة... والتنمية بكل أبعادها. فالمياه مرتبطة باستعمالاتها، كما تتأثر كميتها ونوعيتها بمحيطها البيئي والسكني والعمراني.
على الاستراتيجية ان تحدد الاولويات والمعايير التي على اساسها تم اختيار تلك الاولويات. وعلى كل استراتيجية ان تنطلق من فلسفة محددة تبرر الخيارات.
فإذا كانت المياه موردا متجددا ومادة غذائية أساسية للحياة وهي ملكية عامة لا يفترض ان يتملكها احد ولا ان يتحكم بها احد، وهي حق من حقوق الانسان الحالي والآتي،
فعلى اية استراتيجية منظمة ان تأخذ بالاعتبار هذه المعطيات، وان تحفظ حقوق الاجيال الآتية، ولا سيما لناحية حماية النوعية.
فإذا كان هناك إجماع ان 70% من المياه في لبنان تذهب لاستخدامات الري والزراعة وان بالامكان توفير 50% من الكميات المستخدمة في هذا القطاع اذا تم اعتماد اساليب
الري الحديثة كالتنقيط والرش وتشجيع الزراعات البعلية. واذا كان هناك إجماع على أن نسبة الهدر في شبكات التوزيع تقارب 50% أيضا وبإصلاح الشبكات يمكن توفير نصف
المياه الموزعة. وان تركيب عدادات بدل العيارات يمكن ان يوفر أكثر من 30% من المياه في المنازل وأكثر من 50% في السياحة. بالاضافة الى تحسين الجباية التي تدنت
نسبتها الى ما دون 53 في المئة في ظل كلفة الانتاج المرتفعة أو نسبة الشواغر في الوزارة والمؤسسات العامة للمياه التي بلغت 70 % (بحسب مستشار وزير الطاقة عبدو
تيار). واذا علمنا ان تنظيم عمل حفر الآبار الارتوازية وإقفال غير المرخص وتركيب عدادات على المرخص يمكن ان يوفر ما يقارب 50% من المياه الجوفية في لبنان ويساهم
في الحفاظ على سلامتها ويؤمن مداخيل مهمة للخزينة... وان استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها يمكن ان يوفر 50% من المياه المستخدمة في الري والسياحة ويخفف
بنسبة 70% من مصادر تلوث المياه العذبة في لبنان... وان إعادة تنظيم المياه المعبأة وشراء الدولة للحقوق المكتسبة واعادة الاعتبار للمياه كملكية عامة يمكن ان
يوفر مداخيل مهمة للخزينة ويؤمن الحد الادنى من حقوق اللبنانيين لتصلهم مياه الشرب الطبيعية مجانا ... فلماذا لم يتم اعتماد هذه السياسات الموفرة بدل وضع الخطط
وطلب الاعتمادات لإنشاء سدود مكلفة وخطرة؟
ان القيام بإجراءات موفرة كهذه وغير مكلفة يفترض ان تكون لها الافضلية والاولوية على تخزين مياه جديدة وراء سدود مكشوفة واعادة توزيعها ليضيع نصفها تبخرا، ونصفها
الباقي هدرا في شبكات التوزيع! كما ان اعتماد السدود المكشوفة لزيادة تخزين المياه تحت عنوان زيادة ساعات التغذية يفترض ان يتسبب بزيادة حجم مياه الصرف الصحي
وزيادة في مشكلتها وفي كلفة معالجتها.
فإذا كنا لا نعرف تماما ما هي الامكانيات الحقيقية التي لدينا، وكنا نتوقع تغيرا مناخيا وشحا في المياه وزيادة في الطلب، فعلينا ان نبدأ اولا بالاجراءات الاقل
كلفة.
لا يبدو وزير الطاقة والمياه الجديد (نسبيا) جبران باسيل بعيدا عن هذه المعطيات، وقد وضع الكثير الإجراءات المطلوبة على نار حامية، ومنها ايجاد قانون شامل للمياه
في لبنان. بالاضافة الى آلية مختلفة وصعبة جدا للترخيص للسحب من المياه الجوفية. كما لم يقلل من اهمية فكرة التوفير وادارة الطلب ووجود استراتيجية مختلفة عن
«خطة السدود العشرية».
«السفير» تفتح ملف المياه في لبنان من محاوره المختلفة ان لناحية مراجعة المعطيات المتوافرة حول المتساقطات من امطار وثلوج والمياه السطحية الجارية، الينابيع
والأنهار والأحواض الجوفية. وشبكات الرصد والقياس القائمة حالياً الخطط المطلوبة لتوسيع وتطوير الرصد. أو لناحية مراجعة استخدامات المياه في السياحة والزراعة
والثروة الحيوانية والاستخدامات المنزلية والتجارة (السيترنات والغالونات والقناني...) والصناعة والبيئة، وقطاعي التعليم والاستشفاء (المدارس والجامعات والمستشفيات)
والترفيه (ملاعب الغولف) ومحطات المحروقات (غسيل السيارات).الخ كما تفتح ملف كيفية التوفير والترشيد وادارة الطلب هدر الشبكات ومشكلة الآبار الارتوازية وسوء
التوزيع وغياب العدالة واستخدام العدادات بدل العيارات والإرشاد الزراعي والتوفير في الاستخدامات السياحية وإعادة الاستعمال في الصناعة ... بالإضافة الى دراسة
إمكانية الاستفادة من مقولة «المياه الافتراضية»، لناحية التوفير في التصدير والاستيراد للمواد التي تستهلك القليل من المياه في عمليات تصنيعها.
كما تفتح ملف نوعية المياه: كيفية الرصد وحجم ونوع التلوث ومصادر التلوث وكيفية الحماية والمعالجة. بالإضافة الى ارتباط قضية المياه بطرق ترتيب الأراضي وتشجيع
الزراعات البعلية والتقليدية، وطرق حماية الغابات والاحراج وإعادة التشجير ووقف انجراف التربة... التي تعتبر بمثابة البنية التحتية لتخزين المياه.
كما تفتح ملف مصالح المياه ووضعها وحاجاتها ومقترحات إصلاحها ودعمها لمعرفة لماذا تربح مصالح مثل مصلحة مياه بيروت ويصبح في رصيدها 170 مليون دولار أميركي،
بينما تخسر مصالح أخرى، بالإضافة الى تقييم تجربة الخصخصة في مدينة طرابلس حيث تؤمن المياه 24 على 24 كما يقال.
بالإضافة الى قضية التخزين والسدود السطحية والبدائل المقترحة انطلاقا من دراسة الوضع الحالي وتجربة سد القرعون (الذي يحكى ان تلوث مياهه أصبحت غير قابلة للمعالجة)
وسد شبروح (بكلفته العالية ومخاطره ولا جدواه بالنسبة لبدائل أخرى) ودراسة مخاطر السدود السطحية والبدائل (التخزين الجوفي) وإعادة استعمال المياه المبتذلة المعالجة
واقتراحات تحلية مياه البحر ومخاطرها.
كما يتم تناول الوضع القانوني للمياه (المياه كحق وليس كسلعة): المياه كحق من حقوق الإنسان، بالإضافة الى قضية «الحقوق المكتسبة» والخصخصة والاتجار بالمياه
وإمكانيات الاسترداد والتعرفة وكيفية تحديدها.
كما تطرح قضايا النزاعات على المياه في ضوء القوانين والمفاوضات الدولية وكيفية حماية المياه اللبنانية من الأطماع. بالإضافة الى قضية المياه المعبأة ووضعها
القانوني والمواصفات والرسوم المحصلة والقوانين والمراسيم المقترحة للتنظيم في ظل الصراع بين الشركات المرخصة وتلك غير المرخصة.
كما سيتم مناقشة «الخطة العشرية» التي وضعت منذ سنوات ولم يتم الاهتمام إلا بالشق المتعلق بتنفيذ السدود فيها، وإلقاء الضوء على المعطيات الرئيسية حولها والبدائل.
بالإضافة إلى قضايا مستجدة مثل تغير المناخ وأثره على الثروة المائية على ضوء الدراسات المتوافرة وكيفية وضع خطط المواجهة (التخزين والحفظ والإرشاد) والتعديلات
المطلوبة في السياسات.
كما يفترض ان يفتح ملف كيفية معالجة مياه الصرف الصحي، انطلاقا من رصد القوانين الناظمة والإدارة المسؤولة والاستراتيجية المعتمدة وطرق عمل محطات المعالجة المقترحة
وكيفية تحديد الأماكن والأحجام ودرجة المعالجة وكيفية معالجة الوحول الناجمة بعد المعالجة، بالإضافة الى الإطار التنظيمي والتشريعي والمواصفات، مع إمكانية درس
تجارب في التنفيذ ومشكلة المحطات الصغيرة في المناطق وحول إمكانيات اعتماد المياه المعالجة كبديل.
جريدة السفير

No comments:

Post a Comment