رسالة من السرايا إلى المصارف
الخصخصة تحتاج إلى سوق مالية فلا تعترضوا سبيل تطويرها
مراقبة المصارف والسوق الماليّة: كرّ وفرّ (بلال جاويش)«انتقِلوا إلى الخطوة التالية»، رسالة وُجّهت إلى القطاع المصرفي من السرايا الحكوميّة أمس، فالمصارف متهمة بإعاقة تطوير الأسواق الماليّة، أمّا المحتشدون في السرايا فهمّهم إقناع المصارف بتطوير نفسها، ليس خدمة للاقتصاد بل لدفع مشروع الخصخصة إلى الأمام، إذ يعتقد هؤلاء أن الخصخصة لن تحصل ما لم تواكبها سوق مالية نشطة
حسن شقراني
لم يكد إيريك برتران ينزل عن خشبة العرض التي جُهّزت في مبنى السرايا الحكوميّة، حتّى تلقّاه المصرفي المخضرم وفاتحه: «لن يتغيّر شيء ما لم تتغيّر عقلية المصارف، لأنّها تركّز في الدرجة الأولى على الودائع وحجمها، ولا تأبه كثيراً بالتنويع». هل كانت كلمات المصرفي محبطة؟ كلّا، لأنّ برتران يعلم تماماً مستوى التعقيدات التي تمثّلها المصارف أمام إنشاء السوق الماليّة المتطوّرة في لبنان، وهو الموضوع الذي جاء هذا الخبير الفرنسي ليحاضر فيه، في إطار ورشة العمل التي تنظّمها وزارة المال، لعرض النتائج الأولية للدراسة التي أجرتها بعثة «ARCHE» في هذا الشان، برعاية رئيس الوزراء سعد الحريري، ووزيرة المال ريا الحسن، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.
فالموضوع يتعلّق بالجهة التي تدير اللعبة الماليّة وإحداثيّات كثيرة أخرى ستؤثّر سلباً على المصارف إذا نشأت في لبنان سوق ماليّة متطوّرة، إذ قد تلجأ الشركات إلى تمويل ديونها الطويلة الأجل من هذه السوق لا من المصارف حصراً، ما يؤثّر مباشرة على بنية الفوائد، وبالتالي على مستوى الأرباح.
إذاً، وُجّهت انتقادات، تحت الطاولة وفوقها، إلى النظام المصرفي في الورشة التي تستمرّ اليوم أيضاً، وهي انتقادات موجودة في الدراسة التي تضمّنت تقويماً للواقع القائم وتوصيات للتطوير. ففي توصيتها الرقم 4، المعنونة: تغيير استراتيجيّة الأعمال الخاصّة بالمصارف اللبنانيّة، تقول الدراسة إنّ تلك المصارف «تعمل وفق النموذج المصرفي التقليديّ المتمثّل بالوساطة» بين صاحب رأس المال والمقترض. ولكي يتسنّى لسوق المال أن تزدهر، يجدر بالمصارف «الانتقال إلى الخطوة التالية».
ويمكن أن تقوم المصارف بتلك الخطوة من خلال «دعم المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة» وتقديم «المحفّزات أو فرض الجزاءات تبعاً لنوعية الدخل، إذا كان مرتبطاً بالفوائد أو إذا كان غير ريعي، إضافة إلى «إزالة العوائق القانونيّة والماليّة للسماح بالقيام بالعمليّات الإبداعيّة».
وتستطيع المصارف أيضاً تسهيل الوصول إلى الأسواق عبر «الحصول على دور في السوق، ومن خلال خفض أكلاف التطبيقات».
والتركيز على المصارف ينبع أساساً من حجمها ودورها الذي تؤدّيه في الاقتصاد اللبناني. فهي «تمثّل مصدراً رئيسياً لتمويل الاقتصاد اللبناني، غير أنّها لا تساعد في تطوير الأسواق الماليّة»، وفقاً للدراسة.
هذا الرأي تردد على ألسنة مصرفيّين شاركوا في الورشة، كما رُصد لدى أطياف أخرى في اللعبة الماليّة ـــــ الاقتصاديّة في البلاد. وبحسب مصادر وزارة المال، فإنّ عدم إحداث تحوّلات في دور المصارف في الاقتصاد، سيُبقي الأمور على ما هي عليه.
وتستغرب المصادر إلى أين ستمضي تلك المصارف في عملها المقتصر على القروض الاستهلاكيّة وإقراض الدولة، من دون الانخراط جدياً في عمليّة تطوير السوق الماليّة في البلاد، ليصار إلى إحداث نقلة حقيقيّة على هذا الصعيد.
وإذا كانت فوهات المدافع موجّهة صوب المصارف، فإنّ بعض ممثّلي هذه المؤسّسات التي تعتمد في 75% من دخلها التشغيلي على الفوائد، كان لديهم ما يقولونه!
«نحن نتحدّث عن كيفيّة تطوير السوق الماليّة منذ أكثر من 10 سنوات. وقبل 3 سنوات بُذلت جهود ملموسة لتحفيز الشركات على عرض أسهمها، إلا أنّ شيئاً لم يحدث». واقع عرضه الرئيس التنفيذي لبنك لبنان والمهجر للاستثمار (Blominvest)، فادي عسيران، في الجلسة الخاصّة بكيفيّة زيادة الأدوات في السوق الماليّة وجعلها مستدامة على المدى الطويل.
يتابع: «الآن، لا أتوقّع حدوث شيء، إلّا إذا كان هناك محرّك قوّي وراء المسألة، شخص أو مؤسّسة تكون عنده رؤية. وأنا آسف للقول: نحن لا نملك هذه الرؤية».
وشدد عسيران على ضرورة أن يتحقّق «توافق عام»، وهذا يحتاج إلى «برلمانيّين» يقولون: لدينا رؤية لتطوير السوق الماليّة، ويشاركهم سياسيّون ورجال أعمال والمصارف والجمهور.
هذه النظرة التي ركّزت على النيّات الموجودة اختلفت نسبياً عن التقويم الذي تقدّم به الخبير في مجموعة بورصة «Euronext» إيريك برتران.
فادي عسيران: نتحدّث عن كيفيّة تطوير السوق الماليّة منذ أكثر من 10 سنوات إلا أنّ شيئاً لم يحدث
فإضافة إلى التوصية بتعديل دور المصارف في النظام، قدّم هذا الخبير التوصيات الأخرى الخاصة بتطوير السوق.
أوّلاً، هناك الإصلاحات المتعلّقة بالمؤسّسات وبثقافة الإدارة، وتتضمّن تحديد القيادة الخاصّة بإجراء التغيير المطلوب، إضافة إلى تحويل هيئة بورصة بيروت إلى مجموعة مسيّرة تجارياً. كذلك تبرز ضرورة لإنشاء هيئة مستقلّة خاصّة بهذه السوق، ويترافق ذلك مع تطبيق برنامج تعليمي طموح. واستذكر إيريك برتران القول الشهير: «تسألونني عن كلفة التعليم، تخيّلوا كلفة الجهل في المقابل».
ثانياً، لا بدّ من تحفيز نشوء مكوّنات السوق الماليّة، ويحصل ذلك، بحسب الدراسة، عبر الخصخصة ومساعدة المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة الحجم، والترويج لإدراج أسهم الشركات الخاصّة، وإطلاق المنتجات الماليّة القابلة للتداول، وتطوير شبكة التواصل المالي مع المحيط.
ثالثاً، هناك ضرورة تدعيم الطلب الطويل الأجل في تلك السوق من خلال اختيار لاعب محوري مستثمر مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو مؤسّسة إنترا.
ما يحوم في الأجواء يبقى متعلّقاً بالدرجة الأولى بدور المصارف وطبيعة عملها، وليس مفهوماً في هذا الإطار ما سيكون موقف مصرف لبنان، وخصوصاً في ظلّ التعقيدات النقديّة الكثيرة التي يحاول اللعب عليها. فوفقاً لحديث رياض سلامة في ورشة العمل أمس، «ينظر مصرف لبنان باهتمام إلى تطوير الأسواق الماليّة وأسواق رأس المال، لأنّ وجود تلك الأسواق وعملها تبعاً لمعايير وأساليب حديثة يعزّزان أهدافاً نسعى إلى تحقيقها وتخدم اقتصاد بلدنا».
الجميع ينتظر تغيّر العقليّة.
________________________________________
85 %
معدّل مديونيّة القطاع الخاص إلى الناتج المحلّي الإجمالي في لبنان. وبحسب البنك المركزي، فإنّ السوق الماليّة تحقق للقطاع الخاص رسملة تتيح خفض تلك المديونيّة، وبالتالي خفض هشاشة المصارف، ما يحفّز نشاطاتها الاستثماريّة
________________________________________
فرصة ذهبية مجمركة
وصلت عدوى «الفرصة الذهبيّة»، وهو المصطلح الذي تستخدمه ريا الحسن، إلى الخبير الاقتصادي إيريك برتران، الذي دعا اللبنانيين إلى الاستفادة من تلك الفرصة من خلال إجراء الخصخصة من خلال طرح الأسهم وشراء الجمهور لها، وهو ما يُروّج له على أنّه الخصخصة الشفافة. وتحدّث مستشار شؤون القطاع المالي في وزارتي المال والاقتصاد في فرنسا، تييري ديسّو، عن تجربة الخصخصة في بلاده في ثمانينيّات القرن الماضي، معتبراً أنها كانت ناجحة، إلا أنه تجاهل كلياً أن فرنسا علمانيّة، أمّا لبنان فيحكمه أمراء طوائف ولوبيات، من الصعب جداً أن تمر عليهم الخصخصة من دون جمركة!
جريدة الاخبار
No comments:
Post a Comment